أخرىمستجدات سياسية

مجزرة حيّ التضامن.. سفسطة الضمير الإنساني الخرِب

ساري عرابي عربي21

(١)
كثيرون الذين ذكروا عجزهم عن رؤية مشاهد مجزرة حيّ التضامن كاملة، وبعضهم نصح غيره بعدم المشاهدة لقسوة الصور والوقائع. لكن يمكن القول إنه لا معنى في مزيد المشاهدة، فصورة واحدة تتحدث عن غيرها من الصور، كما أنّ الواقعة برمّتها تتحدث عن بقية الوقائع التي تخللت الحالة السورية منذ العام 2011، على الأقل، وحتّى الآن. والتاريخ السوري الطويل، منذ سبعينيات القرن الماضي، يفيض بحكايات المعتقلين المختفين في السجون السورية، مما يفتح الاحتمالات على إمكانية تغييبهم بالقتل، الفردي أو الجماعي.

الوقائع السورية الكثيرة هذه، وعلى طول التاريخ السوري، بدورها تتحدث عن غيرها في بلاد عربية أخرى، فالقتل الفردي والجماعي، ولأدنى تهمة أو اشتباه أو بما لا يمكن أن يعدّ تهمة، ظهر مثيله في بلاد أخرى، كانت أنظمتها تشارك النظام السوري جانباً من أيديولوجيته المدعاة، أي القومية العربية، كما حصل في العراق، في فترات طويلة من حكم البعث العراقي، وفي ليبيا، التي كان من أبشع وقائعها مجزرة سجن أبو سليم، التي قتل فيها 1200 سجين، وُزّعوا على مقابر جماعية متفرّقة، كان من بينها السجن نفسه. وتاريخ هذه البلاد أو بعضها، يتحدث كذلك عن مصادرة الممتلكات، وقتل أشقاء المعارضين، وسوى ذلك من انتهاكات لا يمكن تسويغها بحال. وعلى أية حال، فالاختفاء القسري حديث شائع في مصر الراهنة، مما قد تكون حقيقته تغييباً بالقتل الخفيّ!

أمام الوقائع السورية والعربية هذه، لماذا يدافع البعض عن أنظمة كهذه؟!

بجردة حساب لا تحتاج الكثير من الجهد، سيتضح أنّ هذه الأنظمة لم تنجز شيئاً يُذكر من وعودها الكبيرة، ولا شعاراتها الضخمة، بالرغم من طول أمدها في الحكم، وبما لا يمكن تفسيره كلّه بالمؤامرات الخارجية.

لم تنجز الوحدة العربية، بل انقسمت على نفسها، كما في خلاف البعثين السوري والعراقي الشهير. من نوافل حكايا التاريخ، مجزرة الرفاق في قاعة الخلد في العراق في العام 1979، حينما أعدم صدام حسين مجموعة من رفاقه الحزبيين بذريعة تواطئهم مع زعيم الفرع السوري اللدود حافظ الأسد. واجتماع قاعة الخلد مصوّر مبثوث لمن يحبون إنكار الضرورات، والشهادات عليه لا تُحصى!

مؤامراتهم ضدّ بعضهم، أكثر من أن تتسع لها الروايات. مما يُذكر في هذا الشأن، أنّ القذافي، أحد الذين رفعوا راية القومية العربية وعدّ نفسة خليفة عبد الناصر، لم يتآمر على الدول التي يصمها بالرجعية فحسب، بل زوّد إيران بصواريخ بالستية أثناء حربها مع صدام حسين. أمّا موقف النظام السوري من تلك الحرب فأشهر من أن يُستدعى الآن. ومما لا يحب أنصار النظام السوري تذكيرهم به، أنّ حافظ الأسد انضمّ للتحالف العسكري الأمريكي الذي ضرب العراق عام 1990/1991، ووقّع بعد ذلك مع السعودية ومصر ما عُرف بـ”إعلان دمشق”، للتعاون والتنسيق بين البلدان تلك.

وإذا كانت وعودهم في الوحدة لم تتحقق، بل اشغتلوا فعليّاً على ما يعاكسها، فإنّهم في الوقت نفسه لم يحرّروا فلسطين، وإذا كان يمكن الاعتذار لهم بهذا الخصوص بأنّ هذه العملية أضخم من قدراتهم، فقد انتهجوا دوماً سياسات تلعب على التناقضات الفلسطينية الداخلية، أو تضرب في قوّة المقاومة الفلسطينية، كما في الدخول السوري إلى لبنان عام 1976، وحصار المخيمات الفلسطينية في لبنان عام 1985. وبالرغم من أنّ ذلك كلّه قد يوصف بالتاريخ الذي لا بدّ من تجاوزه، فإنّه لا ينبغي التوهّم بأنّ الحاضر ينهض على شيء آخر، غير هذا التاريخ.

وإذا كان شيء من هذه الوعود الكبرى لم يتحقّق، فإنّه لا يمكن بعد ذلك كلّه، تصوّر سبب لاستباحة كرامة أهل تبلك البلدان بتلك الصوّر كلّها. لا يمكن تفسير هذه الاستباحة للكرامة الآدمية بتلك الشعارات، ولا بمواجهة الاستعمار الذي تثبت التجربة القدرة العالية على التكيّف معه ما دام هو راغباً في ذلك، فكيف وهذه الأنظمة قد كانت عائلية، تستند إلى عُصب غاية في الضيق، وتكرّس البنى الأهلية القبلية، للعب على تناقضاتها حين الحاجة، أو للاستناد على بعض تناقضاتها تلك!

(٢)
في المذبحة السورية، المفتوحة منذ العام 2011، ظهرت ثلاث تقنيات لدى أنصار النظام للدفاع عن ممارساته، لا في سوريا وحدها، بل في كلّ مكان في العالم وُجد فيه أنصار له.

التقنية الأولى: التسييس المفرط للحدث، بمعنى النظر إلى جميع الخلق بوصفهم كائنات سياسية في الحدث، ينبغي أن يكون لها موقف، إمّا مع وإمّا ضدّ. والسكوت والامتناع عن الاصطفاف؛ هو اصطفاف مضادّ في النتيجة، ومن ثمّ فكلّ ضحية في الحدث، هو -بحسب هذه التقنية- ضحية لـ”الناتو، وقطر، وتركيا، والسعودية، والإخوان، والنصرة، وداعش..”، ويمكن حشر أيّ شيء في هذه الخلطة، بما يفضي إلى تبرئة كاملة للذات، تخلو من أدنى مراجعة أو نقد ذاتيّ.

بقدر ما تحاول هذه التقنية تحويل الأطفال والنساء وعامّة الناس إلى كائنات معادية منخرطة في “مؤامرة كونية”، فإنّها تبقى قاصرة عن الإجابة عن الممارسات التي يصعب تفسيرها سياسيّاً، أو عن القبول بسياسات التطهير والتبادل السكاني، وهو ما يقرّ به النظام فعليّاً أنّه لم يكن ممثلاً للسوريين جميعهم، أو أنّ البلد بالفعل “عزبة” يتصرف فيها في الوجودات القبلية التاريخية للناس كما يشاء!

التقنية الثانية: الإنكار الكامل للحدث، فكل ما قيل ويُقال عن جرائم، اقترفها النظام وأنصاره، والعُصب والقوى التي تدعمه ويستند إليها وترى وجودها فيه، هي بفعل دعاية زائفة، نظّمتها الدول المنخرطة في “المؤامرة الكونية”. ودون تبرئة تلك الدول من دور مدمّر في المأساة السورية، فإنّه لم يكن لهذه التقنية أن تشتغل دائماً، دون أن تحيل على التقنية السابقة، فما يصعب إنكاره يُبرّر بالتسييس الكامل، وما يصعب تبريره بالتسييس الكامل يجري إنكاره.

التقنية الثالثة: اختزال الحدث في “داعش” والذي هو نسبيّاً متأخر الظهور فيه، أو في قوى الإسلامية الجهادية، التي لا شكّ أنّها هيمنت على المشهد، لكنها لم تكن أصله ولا كلّه. كانت تنطوي هذه التقنية على مقولة مفادها أنّ موقف النظام سليم، ما دامت هذه هي المعارضة، أو هذا هو البديل. ثمّة إشكال في هذه التقنية، حينما تتساوى أفعال النظام مع أفعال “داعش” بل وتزيد عليها، إذ يُفترض أنّ الدولة أكثر مسؤولية، وأكثر التزاماً بالحدود الدنيا من الأخلاقيات التي تزعم الدول التواطؤ عليها!

هناك إشكالية أخلاقية وسياسية في نمط الاقتراب من هذا النوع من الانتهاك للكرامة الآدمية، لا في سوريا وحدها، بل في العالم العربيّ كلّه. فبعض خصوم الأنظمة الحاكمة قد يجدون أنفسهم في صفّ واحد مع هذه الأنظمة؛ في مواجهة قوى ترميها الأنظمة بالإرهاب. لا شكّ أنّ بعض هؤلاء صادق في اصطفافه لأنّه، في وعيه، يصطفّ مع الدولة لا مع النظام. لكنه يغيب عن وعيه أنّ النظام هو الدولة، إذ لا يمكن الحديث عن أجهزة محايدة في الدول العربية، بحيث يمكن تصديق دعايتها دائماً بلا تفكير، لا سيما وأنّ هذا النوع من الاتهامات بات مرناً قابلاً للتوظيف إلى حدّ واسع.

ليست المشكلة هنا، بل في أنّ ذلك البعض لا يعيد تكييف موقفه لينسجم مع نفسه أخلاقيّاً، حينما تطابق أفعال “الدولة” أفعال “الإرهابيين” بل وتزيد عليها! ولا يعيد فحص موقفه من ماهية هذه الدولة!

(٣)
كالعادة في النقاشات التي قرأتها حول مجزرة حيّ التضامن، ولأنّ النظام هنا، أو بعض أنصاره على الأقلّ، قد تفوّق على “داعش” في الفعل والدوافع، فإنّ الإنكار سيكون حاضراً. الإنكار والحالة هذه، كما في العديد من الوقائع طوال عمر الحدث، هو مكابرة، إذ يملك المرء أدوات يمكنه بها التمييز بين الحقيقي والزائف، ولذلك فإنّ التسييس للحدث سيتشغل بدوره، بردّ الأمر إلى الجهة الناشرة كونها بريطانية، أي صحيفة “الغارديان”، ثمّ في السؤال عن التوقيت!

اختزال الأمر في مصدر النشر، أو السؤال عن التوقيت، كاشف عن حجم الرداءة التي يمكن أن ينحطّ فيها الإنسان، ليس فقط لأنّ حدثاً بهذا الحجم والطول والهول؛ لا بدّ وأن تتكشّف بعض وقائعه بين حين وآخر، بقصد أو بدون قصد، ولكن لأنّ السؤال عن دافع الكشف أو عن توقيته بات لدى البعض، حتى من متذاكين ليسوا في صفّ النظم، أهمّ من الواقعة نفسها، من المجزرة، من المأساة، أهمّ من 41 آدميّاً أعدموا على النحو المشاهد من بين 280 أعدموا بالطريقة نفسها؛ لم يُكشف عن صور إعدامهم بعد، أهمّ من 41 عائلة تعاين الآن المصير المروّع لأبنائها الذين انتظرت خبراً عنهم منذ عشر سنوات!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى