القضية الفلسطينيةمقالات

في وداع شيرين.. باب الخليل يُولَدُ من جديد

علي حبيب الله متراس

كان أهالي القدس يُطلقون على باب الخليل الواقع في الناحية الشماليّة الغربيّة من سور مدينتهم اسماً آخر هو “باب يافا”، وذلك لأنّه مفتوحٌ غرباً على الطريق المؤدّي لمدينة يافا والساحل عموماً. كما أسمّوه “باب بيت لحم” لانفتاحِه على مدينتي بيت لحم والخليل جنوباً. ومن أسمائه أيضاً “باب المحراب”، كما صارت له تسمياتٌ استعماريّة أخرى مثل باب “داوود أو “ديفيد” بالعبريّة.

لم يكن المقدسيون يعرفون أصواتاً للصلوات الجماعيّة مبتهلةً بالابتهالات الجنائزيّة أو شوباشات عربيّة مختلطةً بالزغاريد النسائيّة إلا تلك التي كانت تنبعث من عند باب الخليل، فهو بابُ المواكب والاحتشاد في المناسبات والأعياد. فقد كان البابُ حتى سنة النكبة -1948 الباب الذي تخرجُ منه مواكبُ مسيرات أعياد ميلاد المسيح باتجاه بيت لحم، ومنه أيضاً كان يدخل موكبُ أهالي الخليل القادمين للقدس للمشاركة في موسم النبي موسى.

في دراسةٍ عن الصراع على أبواب مدينة القدس (البلدة القديمة) وتحديداً على بابيّ العمود والخليل، يُشير الباحث نظمي الجُعبة إلى تقدُّم باب الخليل على باب العمود رغم كون الأخير الباب الرئيس للمدينة القديمة، وذلك تحديداً منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين. وكان هذا التقدم من ناحية الحضور البشريّ وحركة المرور للداخلين والخارجين منه، وذلك لأنّه ظلَّ مفتوحاً وصار أكثر انفتاحاً على تحوّلات حداثة مدينة القدس، سياسيّاً واجتماعيّاً ودينيّاً كذلك.

لكن هذه التحوّلات أودت به، وقد كانت اللحظة الفارقة لإدخال الفلسطينيين من باب نفق الاستعمار القائم في فلسطين إلى يومنا هذا، هي اللحظة التي دخل فيها “ألنبي”، قائد قوات الاحتلال البريطانيّ إلى مدينة القدس من باب الخليل تحديداً، مُعلناً احتلال المدينة في الحادي عشر من ديسمبر/ كانون الأول سنة 1917، ليغدو باب الخليل من وقتها باباً للانفتاح والاجتياح معاً.

ثم صار باب الخليل بعدها باب التحدي على التعدي، فاشتدّت عليه طوال مرحلة الاستعمار البريطانيّ للبلاد حركةُ مواكب الأعياد والمواسم العربيّة تحدياً، وإشارةً لرفض دخول الغُزاة البريطانيّين منه، ومدوامتهم على تغيير معالم الباب وفضائه العربيّ المحيط به من شماليّ وغربيّ مدينة القدس.

ثمّ جاءت حرب النكبة سنة 1948، وسطو الصهاينة على البلاد، ليغدو باب الخليل معها باباً منكوباً بعد وقوعه على خطّ الهُدنة الفاصل بين دولة الاحتلال الوليدة وبين بقية القدس التي أصبحت تحت الإدارة الأردنيّة. في تلك الفترة أُغلقت الفتحة الواقعة جنوبه والتي يُقطع فيها اتصال سور القدس، أغلقت بجدارٍ عال يفصل بين شرق المدينة وغربها، ليُحيل البابُ بذلك أهلَه لسياسة العزل والإغلاق والتقسيم. وهكذا لم يعد الباب مدخلاً رئيساً للمدينة، ثمّ استكملت السيطرة عليه مع احتلال “إسرائيل” لكامل المدينة عام 1967.

ورغم أنّ ذلك الجدار هُدِم على إثر النكسة، إلا أنَّ باب الخليل بقي مُوصداً في وجه حركة وفودِهِ ومواكبه العربيّة. لم يعد مفتوحاً كما كان لأهله وزائريه، وصار مدخلاً أساسياً يفد منه يوميّاً غُزاة المدينة ومُحتلوها إلى أوكارهم في البلدة القديمة، أو لأداء صلواتهم في حائط براقنا ومبكاهم المزعوم. كما غدا باب الخليل باب “ديفيد” الاستعماري الذي يقطع صِلة المقدسيين برئتهم الشماليّة الغربيّة وأحيائها العربيّة المُقتلعة والمجروفة، لتغدو “القدس الغربيّة” الاستيطانيّة.

ومع سلب الصهاينة للباب، سُلِبت معه قلعتُه العربيّةُ من أمامه، قلعة القدس، لتصبح قلعة “داوود- ديفيد” ومتحفاً لمعارض تزييف تاريخ القدس، وهو واحدٌ من أهم المتاحف الاستعماريّة التي تقوم بدورٍ مكثف لتهويد تاريخ القدس خاصّة. كما أن “متحف القلعة” يُعتبر بمثابة نقطةِ ارتكازٍ أخرى لانطلاق دوريات تدنيس المستوطنين للبلدة القديمة والحرم تحت اسم “الجولات التاريخيّة”.

يُضاف إلى اقتلاع الصهاينة للإرث العمرانيّ العربيّ – الإسلاميّ والذي كان يُعتبر جزءاً من مشهدية التراث العمرانيّ للباب نفسه، فقد بنى المحتلون معالمهم الاستعماريّة في محيط المكان، كالمجمع التجاري الاستيطاني “ماميلا”. كما استولوا من خلال ذراعهم “عطيرت كوهنيم” على فندقي البتراء والإمبريال اللذين تعود ملكيتهما للكنيسة الأرثوذوكسية العربيّة. تلك الكنيسة التي تعاني منذ أكثر من خمسة قرون من احتلال يونانيّ توّرط في تسريب عشرات العقارات الكنسية على امتداد فلسطين.

هذا وفضلاً عن مقر القشلة، مخفر الشرطة التاريخيّ منذ زمن العثمانيين، الذي بات أكبر نقطة ضبطٍ أمنيّ استعماريّ على باب الخليل لضبط وتأديب السكان الفلسطينيّين في البلدة القديمة. وذلك كلّه في محاولةٍ حثيثةٍ من الصهاينة لاجتثاث هوية الباب وتحويلها يَـباب.

ظهر اليوم الجمعة وصلت الشهيدة شيرين أبو عاقلة إلى باب الخليل، بعد رحلةٍ دامت ثلاثة أيام محمولاً نعشُها فوق أكف أبناء شعبها الفلسطينيّ من جنين حيث مصعد روحها، إلى حيث مسقط رأسها في القدس.

من مخيّم جنين تحديداً، بابُنا المفتوح دفعاً على أمل تصاعد الفعل المناهض والمُقاوم للاحتلال، مروراً بنابلس ثمّ رام الله، استبدل نعشُ شيرين الشهيدة أكفَّ حامليه. أولئك الحاملون الذين حال احتلال البلاد وتقطيع أوصالها من وصولهم جميعاً إلى القدس الشريف، بينما ظلّ موكبها حتى وصوله القدس واحداً ومُشرِّفاً يُعيد رسم خريطة فلسطين التاريخيّة، ويرمم بعثرة أهلها، لِتَفتح شيرين بنعشها وموكبه والسيول البشرية من ورائه بابَ الخليل فتحاً قدسيّاً ثوريّاً، ولأول مرّة منذ أكثر من 70 عاماً.

يُولد باب الخليل اليوم من جديد، باباً مقدسيّاً عربيّاً، ولو طال استعماره إلى بعد حين، فوداعاً شيرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى