القضية الفلسطينيةمستجدات سياسية

انتخابات بيرزيت.. ما قدّمته السُّلطة لاقَته الشبيبة

نور الدين أعرج متراس

أُعلن يوم أمس 18 مايو/أيار عن فوز كتلة الوفاء الإسلاميّة (الكتلة) في جامعة بيرزيت بـ28 مقعداً من مقاعد مجلس الطلبة للعام الدراسي 2022-2023، في مقابل 18 مقعداً لكتلة الشهيد ياسر عرفات (الشبيبة)، وهو فارقٌ كبير بين الكتلتين الرئيسيتين، لم يشهده مجلس جامعة بيرزيت من قبل. هذا وحصلت كتلة القطب الطلابيّ التقدميّ (القطب) على 5 مقاعد. وقد جاءت هذه الانتخابات بعد انقطاع دام عامين بسبب جائحة كورونا.1

وممّا كان مُستغرباً في النتائج الحاليّة، عدا عن الفرق الكبير في المقاعد بين الكتلة والشبيبة، هو أنّ قاعة “كمال ناصر” التي تضمّ أصوات طلبة سنة أولى (أكثر من 2600 طالب وطالبة)، حُسِمت أصواتها لصالح الكتلة، وذلك خلافاً لما جري في السنوات السابقة. حتّى أنّ طلبة الجامعة ابتدعوا نكتةً سياسيّة في هذا السياق، يُشيرون فيها إلى خط التحوّل السياسيّ لمسار الطالب في الجامعة، إذ يبدأ الطلبة في سنتهم الجامعيّة الأولى بالتصويت لحركة الشبيبة وينتهون في السنوات اللاحقة بالتصويت للكتلة الإسلاميّة.

كيف يُمكن فهم هذه النتيجة؟ ولماذا تتمتّع انتخابات جامعة بيرزيت بأهميّة بالغة؟ نحاول في هذا المقال الإجابة على مثل هذه الأسئلة، عبر المُراوحة بين طرفي سور الجامعة، فمرّة نُطلّ على ما في داخل أسوار الجامعة، ومرّة نُطلّ على ما خارجها من أحداث سياسيّة، فلا بدّ لفهم التحوّلات في توجّه الطلبة فهم التوجه الشعبيّ العام على امتداد البلاد.

فرادة بيرزيت

دائماً ما تحظى انتخابات جامعة بيرزيت بمتابعة رسميّة وشعبيّة عالية مُقارنةً بالجامعات الأخرى (إذا ما جرت فيها الانتخابات)، لما تُمثّله نتائجها من انعكاساتٍ على المشهد السياسيّ العام برمته، ولما تقيسه من تأييدٍ للأحزاب الفلسطينيّة، تحديداً لحزب السلطة الذي يُسيطر على مشهد الضفّة، وكذلك لحركة “حماس” التي تسعى أن تكون حاضرة في مشهد الضفّة بعد الذي فقدته من بُناها الاجتماعيّة والتنظيميّة.

كذلك تكمن أهميّة هذا الفضاء باعتباره الوحيد الذي يشهد انتخاباتٍ حرّةً ونزيهةً نسبيّاً في الضفّة الغربيّة، ولم يستطع الاحتلال ولا السلطة الفلسطينية القضاء عليه، بالرغم من الاعتقالات والتضييقات. وهذا ناتجٌ من القوّة والفاعلية التي تتمتّع بها الحركة الطلابيّة، تحديداً وأنّها راكمت وحقّقت على مدار السنوات نتائج كبيرة في العمل النقابيّ والسياسيّ، كان آخرها إقالة عميدة شؤون الطلبة وتحجيم دور المتحدث باسم الجامعة بعد تصعيد وإضراب استمرّ حوالي شهرين.

يجعل هذا الأمر صناديق الاقتراع في الجامعة وكأنّها شاهدةٌ على العصر، إذ من خلالها تُعرف أمزجة الطلبة وتُختبر شعبيّة الفصيل وتُمحّص مساراته التي اتخذها. لهذا كان انقطاع الانتخابات لأكثر من سنتين انقطاعاً عن معرفة المزاج العام للطلبة في أحداث وقعت: معركة سيف القدس، اغتيال الناشط نزار بنات، إلغاء الانتخابات التشريعيّة، وغيرها. لذا عدا عن الأحداث التي تقع داخل الجامعة، كان لهذا الزخم من المحتوى السياسيّ الخارجيّ بصمته في نتائج الانتخابات، وفي التنافس بين الكتل، وكذا على محتوى خطابها، سواءً في المناظرة أو في الدعاية الانتخابيّة.

ليست مجرّد مُناكفة

لم يكن التنافس بين الكتل الطلابيّة داخل أروقة الجامعة، خلال الدعاية الإنتخابية والمناظرة، مُجرّد مناكفة سياسيّة، إنما هو تنافس يُعبّر عن مشاريع سياسيّة خارج أروقة الجامعة؛ واحدٌ يُمارس المقاومة وآخرُ يمنعها. اتضح هذا في محتوى المناظرة التي أجريت يوم الثلاثاء الموافق 17 مايو/ أيّار، إذ كانت مادة المُناظرة الأساسيّة قضايا سياسيّة من خارج أسوار الجامعة، وهي قضايا تتعلّق بشكلٍ واضح بموقف أحزاب هذه الكتل. فمثلاً، تطرّقت كل الكتل الطلابيّة، باستثناء الشبيبة، إلى قضيّة اغتيال الأجهزة الأمنيّة للناشط نزار بنات.

كذلك كان خطاب الكُتل المُختلفة باتجاه كتلة الشبيبة أكثر وضوحاً من ذي قبل. فلم يعد الفصل بين الشبيبة والأجهزة الأمنيّة فصلًا مُمكناً بالنسبة للطلبة ومن ورائها الكتل الطلابيّة، وهذا ما تفتأ تُثبّته الأحداث السياسيّة خارج الجامعة. ولا أوضح من مخاطبة مناظر الكتلة الإسلاميّة لمُناظر الشبيبة على امتداد المناظرة، بمُسمّى “مُناظر الأجهزة الأمنيّة”.

مع ذلك، لم تنشغل الشبيبة -كما العادة- في محاولة إثبات العكس، وإنما حاولت أنّ تتغنى “بوطنية” الأجهزة الأمنيّة نفسها. يتضح ذلك مثلاً، في ردّ مناظر الشبيبة على مناظر الكتلة مُتغنياً بعمل جهاز الاستخبارات في مدينة جنين قائلاً له: “على سيرة مدينة جنين، هنالك حيث استشهد جميل العموري، وقف أبناء الاستخبارات ودافعوا عنه”، ثمّ أضاف: “زميليّ، أحمد السعدي وعبد الله الحصري، بتعرف مين أخاهم الأكبر؟… داود الزبيدي، وبتعرف مين قائد الغرفة المشتركة في جنين؟… أبو رعد”.

بهذا، لم يحاول مُناظر الشبيبة فصل كتلته عن امتدادها الخارجيّ، ولكنّه عمل على استذكار وطنيّة الحركة عبر ذكره أنّه أسيرٌ سابق وأنّ من بجانبه ابنة شهيد. بل ذهب إلى أبعد من ذلك، بقوله: “إسرائيل تحت بساطيرنا”، وهو ما يُناقض تصريح رئيسهم الذي قال ذات مرّة: “أنا تحت بساطير الإسرائيليين”. تشي مثلَ هذه التصريحات بتناقض جليّ في خطاب حركة الشبيبة الطلابية، فالتغنّي بالكفاح المسلح والدفاع عن الأجهزة الأمنية لا يجتمعان. وهذا تناقض ينكشف باستمرار أمام الطلبة، كان آخره ما حصل مع أسير الكتلة الإسلاميّة ومُناظرها معتصم زلّوم الذي اعتدى عليه أسرى حركة “فتح” في أول يومٍ من اعتقاله في سجن عوفر العسكريّ.

الأقربون أولى بـ”المعروف”

إضافةً إلى استقاء الكتل الطلابيّة والطلبة الشواهد السياسيّة من خارج الجامعة وتوظيفها، كان ثمّة شعورٌ ما تلمسه عند الطلبة من خلال بعض الحوارات والمُشاهدات يشي بنقمٍ على الشبيبة من تصاعد العنف داخل الجامعة. من المُمكن رؤية ذلك في اقتباس مُناظر الكتلة الإسلاميّة لمنشورٍ كتبته طالبة على إحدى مجموعات الجامعة، تقول فيه ساخرةً: “أول السنة صارت مشكلة بين الشبيبة والكتلة، وبعدها مشكلة بين الشبيبة والقطب، وبعدها مشكلة بين الشبيبة الغربية والشبيبة الشرقية، شو شكلها الشبيبة زي رئيسها ثابتة على الثوابت”.

يكاد لا يخلو عام من مُشكلة تقوم بها الشبيبة، آخرها كان في 15 مايو/ أيّار من العام الحالي، قبل الدعاية الانتخابيّة بيوم، مع أفراد الكتلة الإسلاميّة. استخدم عناصر الشبيبّة عبوات رذاذ الفلفل التي تُستخدم في قمع المُظاهرات، بما قد يعني اصطحابها معهم إلى حرم الجامعة تجهّزهم مُسبقاً لوقوع المُشكلة. وبالطبع، فإنّ هذا السلوك لأفراد الشبيبة في الجامعة لا يفصله الطلبة عن أحداث قمع المتظاهرين في مدينة رام الله.

تَدَخَّل أعضاء من إقليم حركة “فتح” في رام الله والبيرة لفضّ النزاع بين الكتلتين، وهو تدخّل يُعطي فكرةً -ولو بسيطة- عن سعي السلطة الحثيث للتغوّل في الجامعة والسيطرة على فضائها بالقبضة الأمنيّة قبل أيّ شيء. ليست حركة الشبيبة الطلابيّة، الذراع التابع لها، بمُعزلٍ عن ذلك، فالأقربون أولى “بالمعروف”. فحركة “فتح” تتحكّم بها، وتُجري عملية “فلترة” داخلها، لتُشكلها من طلبةٍ على مزاج الأجهزة الأمنيّة.

عقابُ صندوق الاقتراع

تُشير نتائج الانتخابات إلى تأثّرها بمجموعة من العوامل، منها مُتعلّق بسياقٍ خاصّ بالجامعة، كموقف الشبيبة السلبيّ من إضراب الحركة الطلابيّة بدايةً، ومنها مُتعلّق بسياقٍ عام في المشهد السياسيّ. وهذا الأخير، ساهم على مستويين: الأوّل، خفّض من أسهُم الشبيبة في الجامعة، بسبب أحداثٍ ومواقف كثيرة شهدتها الفترة الماضية أهمّها: اغتيال نزار بنات، وقمع أفرادٍ من حركة الشبيبة للمتظاهرين في رام الله، وإلغاء الانتخابات التشريعية والرئاسية، والتنسيق الأمني والاعتقال السياسيّ الذي لم يتوقّف.

أمّا الثاني، زاد من دعم الكتلة في الجامعة، فقد شهدت الفترة السابقة وعياً شعبياً سياسيّاً ودعماً للمقاومة المسلّحة، خصوصاً بعد معركة سيف القدس وما رافقها من اشتعال المواجهات والعمليّات ضدّ الاحتلال. يُعبّر عن هذه الحالة المُقاومَة في غزّة، حتّى شاعت هتافات شعبيّة في كل مدن الضفة الغربية، أشهرها هتاف “حطّ السيف قبال السيف، واحنا رجال محمد ضيف”، الذي أصبح هتافاً وطنياً أكثر من كونه هتافاً حزبيّاً.

يبدو أنّ بعض ذلك انعكس على مجتمع الجامعة، فأدّى إلى رفض واضح للشبيبة الفتحاويّة نتيجة رفض المسار الانهزامي للسلطة الفلسطينية، وقبولٌ واضحٌ للكتلة الحمساويّة نتيجة تأييدٍ شعبيٍّ لخيار المقاومة المسلحة.

قبيل إعلان النتائج، أطلق -كما جرت العادة- عشرات المسلحين بوجوهٍ مكشوفة من حركة الشبيبة الرصاص في سماء بلدة بيرزيت عند دوّار أبو جسّار، على مسافة لا تبعد 20 متراً عن مركز الشرطة، فيما تُلاحق الأجهزة الأمنيّة أبناء الكتلة الإسلامية حال رفعهم رايات حركتهم، فمثلاً نصبت الأجهزة ليلة أمس حاجزاً على مدخل مدينة رام الله تُفتّش فيه عن رايات الكتلة أو حتّى عن معالم فرح بالفوز! يلحظُ الطلبة مثلَ هذه المُفارقات، التي تُشير إلى حديّة السلطة في قمع وإسكات كلّ من يتعارض معها، فيُعاقبون ذراعها الطلابيّ في صناديق الاقتراع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى