أخر الأخبارالقضية الفلسطينية

تصاعد المقاومة في الضفة… كيف يهدد الأمن القومي الإسرائيلي؟

أحمد العاروري شبكة قدس الإخبارية 

لطالما اعتبرت دولة الاحتلال الإسرائيلي أن المنطقة الوسطى في فلسطين المحتلة، أو ما صارت تعرف باسم “الضفة الغربية” بعد الحكم الأردني، الخاصرة التي تحمي قلب الدولة التي انطلقت في احتلالها للبلاد من منطقة الجليل والساحل والنقب، ومثلت تلال الضفة الغربية تهديداً للعمق “غير العميق” أصلاً لكيان الاحتلال، باعتراف القادة العسكريين والسياسيين التاريخيين في “إسرائيل”.

تمسك قادة الاحتلال بعد احتلال الضفة في حزيران/ يونيو 1967، بعدم الانسحاب منها وإقامة كتل استيطانية على شكل “قلاع” معززة بمختلف أنواع الأنظمة الأمنية والقواعد العسكرية، في التلال والجبال العالية، لضمان السيطرة على المنطقة ومنع أي تحرك معادِ نحو المدن المحتلة والمستوطنات والمواقع الاستراتيجية في الساحل انطلاقاً من الضفة أو شرقي نهر الأردن، وهو ما عبر عنه رئيس حكومة الاحتلال السابق أرئيل شارون في مذكراته: “ضرورة الحضور الإسرائيلي في هذه المناطق لا ترتهن في مفهومي لأي حل سياسي. فما كان يبدو لي واضحاً بصرف النظر عن كل حل سياسي لاحق هو حتمية وجوب السيطرة على المنطقة الجبلية المشرفة على المنطقة الساحلية”.

وشكلت الهبات الثورية والانتفاضات التي خاضها الشعب الفلسطيني، “قلقاً” استراتيجياً لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وكانت أكثر أيامها “حلكة” حين تتصاعد المقاومة في الضفة وتستعيد عافيتها، تكفي العودة إلى يوميات الانتفاضة الثانية التي نفذت خلالها فصائل المقاومة عشرات العمليات الاستشهادية في مدن الداخل انطلاقاً من الضفة المحتلة، لمعاينة الأثر القاسي الذي عاشه مجتمع المستوطنين أمنياً واقتصادياً، جراء تطور المقاومة في الضفة التي شكلت تهديداً لما يسمى “الأمن القومي” الإسرائيلي.

ما هو المفهوم الإسرائيلي للأمن القومي؟

“إسرائيل” بتكوينها الاستعماري العدواني القائم على فكرة “الحرب الدائمة” مع أصحاب الأرض ومحيطها العربي والإسرائيلي، يعتبر مفهوم “الأمن” فيها على رأس القضايا المركزية التي تشغل عمل الأجهزة السيادية المختلفة.

يرى مهندسو نظرية “الأمن القومي الإسرائيلي” أن دولة الاحتلال وجدت في “وضع دفاعي” مختلف عن باقي الأقاليم السياسية في العالم، فهي مهددة باستمرار، وينطلقون من رؤية تقوم على “نفي الآخر” وهو صاحب الأرض في الحقيقة، لذلك يسعون لامتلاك قوة كاسحة على الأعداء لضمان تفوق “إسرائيل”، في ظل موازين القوى البشري الذي يميل لصالح أعدائها.

قمع انتفاضة الأقصى… حماية للعمق الاستراتيجي

رغم قسوة الكارثة التي تركتها النكبة على المجتمع الفلسطيني، لم تنقطع العمليات الفدائية من الضفة وغزة نحو الأراضي المحتلة عام 1948، بعد أسابيع فقط من تدمير مئات القرى وتهجير سكانها. شكلت العمليات من الضفة نحو الداخل التي عرفت حينها باسم “النزلات” هاجساً كبيراً على الأمن الإسرائيلي، ورغم تشكيل وحدات كوماندوز مثل “101” لقمع الفدائيين وارتكاب مجازر بشعة بحق المجتمع الفلسطيني، كما حصل في قرية قبيا غرب رام الله، حافظت الخلايا الفدائية على مستوى من العمل، أكد للمستوى السياسي والعسكري في دولة الاحتلال أن الضفة تشكل تهديداً استراتيجياً على عمق الكيان.

احتلال الضفة عام 1967 منح دولة الاحتلال فرصة تاريخية للتوسع الاستعماري في الأرض وتأمين مدن الداخل، لكن الهبات الثورية التي اندلعت لاحقاً عقدت المشهد أمام الأجهزة الأمنية والعسكرية، وشكلت الانتفاضة الأولى انقلاباً تاريخياً على المعادلات في المنطقة، وأدخلت الضفة مع غزة في “زمن ثوري” لم يعرفه المجتمع الفلسطيني من قبل، وهدد جميع مشاريع الاحتلال لتثبيت “الزمن الإسرائيلي” فيهما، وأنهى محاولات الاحتلال لفرض “الأسرلة” على المجتمع الفلسطيني من خلال “روابط القرى” و”الإدارة المدنية” وغيرها من المشاريع الاستعمارية.

اتفاقيات التسوية التي عقدتها دولة الاحتلال مع منظمة التحرير الفلسطينية وتأسيس السلطة الفلسطينية، شكل فرصة أمام دولة الاحتلال لإزاحة عبء إدارة المناطق المحتلة في الضفة وغزة، والاحتفاظ بوجود أمني يحمي العمق الإسرائيلي في الساحل، لكن خلايا المقاومة التي رفضت الاستسلام للمنطق الرسمي السائد حينها، أعادت القلق الوجودي إلى مجتمع الاحتلال، عبر سلسلة من العمليات الاستشهادية التي ضربت بقسوة في عمق المدن المحتلة.

بعد عام 2000، شكلت انتفاضة الأقصى التهديد الأكبر للأمن القومي في دولة الاحتلال، مئات العمليات التي أسفرت عن مئات القتلى بين المستوطنين، جعلت الأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية في حالة استنفار دائم، لمهاجمة حالة المقاومة في الضفة وغزة التي تعافت سريعاً، رغم الضربات التي تعرضت لها خلال الفترة بين توقيع اتفاقيات السلام واندلاع الانتفاضة. شكلت الضفة المحتلة جسراً لانطلاق العمليات نحو مدن الداخل، الأمر الذي جعل التفكير بإجراءات أمنية واستراتيجية لسحق المقاومة فيها ضرورة أمنية لمستقبل كيان الاحتلال.

في خطاب له أمام “مؤتمر هرتسيليا”، عام 2002، ركز رئيس حكومة الاحتلال أرئيل شارون على وجوب إجراء سلسلة من الخطوات الأمنية والسياسية لضمان “قتل” الانتفاضة ومنع تكرارها في الضفة وغزة، بينها إجراء ما أسماها “إصلاحات” في السلطة الفلسطينية هدفها الأساسي تقييد تحركات الرئيس الراحل ياسر عرفات وحل الأجهزة الأمنية التي اشترك عناصر منها في المواجهات مع جيش الاحتلال وشن حملة لضرب تنظيمات المقاومة.

الخطوات التي تحدث عنها شارون طبقت بشكل “شبه حرفي”، بعد انتهاء انتفاضة الأقصى وفي الأعوام اللاحقة على ما بات يعرف ب”الانقسام الفلسطيني”، تلقت تنظيمات المقاومة ضربات قاسية من خلال حملات اغتيالات واعتقالات لكوادرها، لم تنقطع، وتضاعفت قوتها في المراحل التي شهدت فيها الضفة والقدس صعوداً في الحراك الثوري، وهو ما ترك آثاراً أمنية وسياسية عميقة على المجتمع الفلسطيني.

تعافي المقاومة… أوهام السيطرة تتبدد

الضربات المتلاحقة التي تعرضت لها المقاومة في الضفة، طوال سنوات ما بعد 2007، لم تمنع صعودها وتعافيها في أكثر من مرة، خاصة مع تأثيرات المواجهات التي خاضتها فصائل المقاومة في غزة، على جيل جديد لم يتأثر بظروف الانتفاضة الثانية و”الانقسام” الفلسطيني، ومنذ حرب 2014 على غزة استعادت الحالة الثورية في الضفة والقدس بعضاً من عافيتها، وتعرضت أهداف الاحتلال في مختلف مناطق فلسطين المحتلة لسلسلة من العمليات الفردية غلب عليها الطابع الفردي، إلا أنها كانت وفقاً لمحللين ومتابعين بتأثير من تنظيمات المقاومة، التي لم تتوقف عن السعي لإعادة بناء البنية التحتية البشرية الخاصة بها في الضفة.

الموجة الجديدة من العمليات التي انطلقت من الضفة نحو الداخل المحتل، مؤخراً، خاصة بعد معركة “سيف القدس” التي اعتبرتها الأجهزة الأمنية والسياسية في دولة الاحتلال صراعاً على “الوعي”، حيث أن المجتمع الفلسطيني في الضفة والقدس والداخل المحتل عام 1948 شعر بقدرته على امتلاك زمام المبادرة في الصراع مع الاحتلال، تشكل تهديداً متصاعداً على “الأمن القومي الإسرائيلي”، باعتراف قادة ومسؤولين إسرائيليين.

انتعاش الحالة الثورية في الضفة ينذر دولة الاحتلال بعدة مخاطر على صعيد “الأمن القومي”، بينها تهديد العمق الإسرائيلي في مدن الساحل والجليل المحتل، وإنهاء حالة “الأمن المزعومة” التي يعيشها المستوطنون خاصة في مناطق ما يعرف إسرائيلياً باسم “المركز”، وتوفير مساحة للعمل أمام فصائل المقاومة في غزة التي عملت سياسات الحصار على عزلها عن بقية الأرض الفلسطينية، ويدفع الجيل الجديد من المجتمع الفلسطيني إلى خيار المقاومة المسلحة، في ظل النماذج التي تحولت إلى “قدوات” في ذهن هذا الجيل، بعد المواجهات في قطاع غزة.

وبالنظر إلى التجارب السابقة، يجبر التصعيد في الضفة المحتلة جيش الاحتلال على الدفع بقواته في مواجهات داخل القرى والمدن، في ظل حاجته للتدريبات المستمرة لتطوير قدرات قواته البرية على القتال، بعد الإخفاقات التي أصابتها خلال المواجهات مع المقاومة في لبنان وغزة، واعترف تقرير صادر عن لجنة التحقيق في الفشل الإسرائيلي خلال العدوان على لبنان في عام 2006، أن زج قوات الجيش وخاصة كتائب المدرعات في مواجهة خلايا المقاومة في الضفة، أفقدها القدرة على العمل في ميدان معركة كبيرة، وجعلها تتحول إلى ما يشبه “قوة شرطية”.

ماذا يقول الخبراء الإسرائيليون؟

يرى تقرير صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلية التابع لجامعة “تل أبيب”، بداية العام الحالي، وقدمت نسخة منه إلى رئيس دولة الاحتلال أن الأوضاع في الضفة المحتلة مهددة بالانفجار في أية لحظة، في ظل الظروف الأمنية والسياسية المعقدة التي تعيشها المنطقة.

ويرى التقرير أن “التنسيق الأمني” مع السلطة الفلسطينية وإن كان مستمراً في هذه المرحلة، فإنه مهدد في المستقبل، في ظل استمرار ضعف السلطة الاقتصادي والسياسي وهو ما يعززه “الغضب الكامن” في المجتمع الفلسطيني بالضفة المحتلة، الذي يعاني من ظروف اقتصادية صعبة و”إحباط” سياسي، في ظل استمرار سياسات الاحتلال في الاستيطان وسرقة الأراضي والحصار.

تجمع الأحزاب الصهيونية على عدم الانسحاب من الضفة المحتلة والحفاظ على وجود عسكري وأمني فيها، ولكنها تتخوف من الزيادة الديمغرافية للفلسطينيين بما يهدد “شكل الدولة اليهودية”، وتطرح أوساط سياسية وأمنية مشاريع “سلام اقتصادي” و”تقليص الصراع” لكن تصاعد المقاومة في الضفة، تهدد هذه المشاريع بالفشل، في ظل انتعاش أحلام الفلسطينيين بعد معركة “سيف القدس” بتوحد ساحات المواجهة مع الاحتلال، ودخول المجتمع الفلسطيني في الداخل الذي يتعامل معه الاحتلال على أنه “الوحش الرابض في المنزل” في الصراع، بحيث يشتعل عمق دولة الاحتلال وأطرافها.

طوال سنوات خاصة بعد 2007، تراجعت مكانة التهديد الذي تشكله الضفة على “الأمن القومي” الإسرائيلي، لصالح جبهات أخرى مثل لبنان وإيران وغزة وسوريا وغيرها، لكن الموجة الجديدة من الحراك الثوري بأشكالها المختلفة، جعلت الأجهزة الأمنية والعسكرية في دولة الاحتلال تحسس خطراً يتصاعد قد ينفجر في أية لحظة، في ظل توفر مسببات الاشتعال، بينها التوجيه المادي والمعنوي من جانب فصائل المقاومة في غزة والخارج، وظهور بؤر انتشار للعمل المقاوم على الأرض كما في تجربة “كتيبة جنين” والتي انتقلت مؤخراً إلى نابلس وطولكرم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى