القضية الفلسطينيةمستجدات سياسية

زيارة بايدن تكريس لتهميش القضيّة الفلسطينيّة

سليمان أبو ارشيد عرب48

اللياقة السياسية التي يتعامل بها الرئيس الأميركي، جو بايدن، مع الفلسطينيين وقيادتهم، والتي عادة ما ميّزت الرؤساء الديمقراطيين، لا تغيّر من واقع الحال الذي تبلور في عهد بوش الابن، وتكرّس في عهد ترامب والمتمثّل بالتوقف عن التعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها القضية السياسية الكبرى، أو هي إحدى القضايا السياسية الكبرى في المنطقة، والانتقال إلى اعتبارها قضية إسرائيلية داخلية، ما يعني التسليم بالاحتلال، وبصيغة السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية (67)، والاكتفاء بالعمل على تحسين مكانة الفلسطينيين ضمن تلك المعادلة.

وكما هو معروف، فقد كان الرؤساء الجمهوريون، غالبا، أكثر جرأة في إحداث تغيير أو انقلاب سياسي في القضايا الإقليمية والعالمية، وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى حرب الخليج الأولى والثانية وتداعياتهما على المنطقة والعالم، وخطة ترامب وما أحدثته من زعزعة لمكانة القضية الفلسطينية، وإعادة ترتيب أولويات السياسة الأميركية في المنطقة.

ومن الواضح أيضا أن العجلة لا تعود إلى الوراء، لا سيّما أن القرار السياسي إذا لم يكن ناتجا عن تحوّلات في الواقع الموضوعيّ، فإنّ اتخاذه وتطبيقاته على الأرض، كفيلة بإحداث مثل هذه التحوّلات، التي يصبح في غالب الأحيان، من الصعب تغييرها والعدول عن القرار الذي أحدثها، إذا لم تتوفر الإرادة السياسية الحازمة، فأوباما لم يستطع حتى إغلاق سجن غوانتنامو الذي تعهّد بإغلاقه، ولم ينجح بايدن حتى الآن في إعادة الاتفاق النووي مع إيران إلى الحياة، رغم أنه تعهّد بذلك أيضا.

من هنا، فإن زيارة بايدن ليس أنها تندرج فقط ضمن الإطار الذي جرى صياغته في عهد ترامب للمصالح الأميركية في المنطقة، والمتمثّل بتعزيز المحور الإسرائيليّ – السعوديّ – الخليجيّ، بما يقتضيه من تهميش للقضية الفلسطينية، وإزاحتها من طريق هذا التحالُف، عبر استغلال ظروف إقليمية سانحة، هي بمثابة فرصة تاريخية، لإدماج إسرائيل في المنطقة، بدون أن تتنازل عن أيٍّ من صفاتها كدولة استعماريّة محتلّة، بل هي محاولة لتعزيز هذا التوجّه الذي يسعى لإزالة جميع العثرات التي تحول دون تعزيز التعاون بين المحاور الأميركية في المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

وإن كان بايدن قد دفع الضريبة الكلامية بذكره لحلّ الدولتين في خطابه، فإن استنكافه عن أيّ ذكر لفتح قنصليّة أميركيّة للفلسطينيين في القدس الشرقية بسبب معارضة إسرائيل، إلى جانب امتناعه عن زيارة رام الله، العاصمة السياسية للسلطة الفلسطينية، والاكتفاء بالاجتماع بمحمود عباس على هامش زيارته الدينية لبيت لحم. هذا ناهيك عن عدم صدور أي بيان مشترك أميركي – إسرائيلي – فلسطيني، أو أميركي – فلسطيني، وما تناقلته وسائل إعلام إسرائيلية عن خلاف أميركي فلسطيني، بشأن صيغة هكذا بيان مفترض؛ تمحورت بالخلاف حول القدس الشرقية، عاصمة الدولة الفلسطينية (الصيغة الفلسطينية)، أو عاصمة فلسطينية في القدس الشرقية (الصيغة الأميركية) وكلّها أمور تفرّغ هذا الخطاب من أيّ مضمون سياسيّ.

بايدن لم ينبس بكلمة عن الاحتلال وتعزيز الاستيطان والضمّ الزاحف، والانتهاكات الإسرائيلية للمقدسات الإسلامية والفلسطينية في القدس، واقتحامات المستوطنين للأقصى، والمخططات المبيّتة لتقسيمه، وهو بذلك يستقيم مع السياسة الإسرائيلية في التعامل مع القضية الفلسطينية، كقضية أمنية ومدنية، وليس باعتبارها قضية سياسية وطنية.

وفي السياق، إن بايدن اكتفى منذ توليه رئاسة الإدارة الأميركية برفع الحظر الاقتصادي الذي فرضته إدارة ترامب على السلطة الفلسطينية، وزيادة الدعم المالي، بدون أن يغيّر من واقع التعامل السياسيّ الذي فرضته الإدارة السابقة في التعامل مع القضية الفلسطينية، وفي المقدمة تغيير الموقف الأميركي من القدس، والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إليها، وعدم الاستجابة للمطلب الفلسطيني المتمثل بأضعف الإيمان، وهو افتتاح قنصلية أميركية للفلسطينيين في القدس الشرقية، فهو أوّل رئيس أميركي لا يعيّن مبعوثا له للشرق الأوسط، لتولّي الملف الإسرائيلي الفلسطيني، ولم يأت بمشروع سياسيّ لحلّ النزاع الفلسطينيّ – الإسرائيليّ، وهو ينفّذ سياسة ترامب، بدون أن يجابه بالمقاطعة والمعارضة الفلسطينية التي جوبه بها الأخير، مثلما تنفذ حكومة لبيد سياسة حكومة نتنياهو، بدون أن تواجَه بمعارضة من الداخل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى