دراساتفكر

أفول الإمبراطورية: ما بعد القرن الأمريكي

دانييل بيسنر، ترجمة كريم محمد حبر

في شباط 1941، بينما كانت جيوش أدولف هتلر تستعدُ لاجتياح الاتحاد السوفييتيّ، رسمَ الناشرُ والأوليغارشيّ الجمهوريّ هنري لوس رؤيةً للهيمنة العالمية، في مقالة تحت عنوان «القرن الأمريكيّ». فالحرب العالميّة الثانية، كما حاجج لوس، لم تكن سوى نتيجة لرفض الولايات المتحدة الطفوليّ للقبول بارتداء عباءة القيادة العالميّة، بعد أن أخذت الإمبراطوريّة البريطانيّة تتدهور في أعقاب الحرب العالميّة الأولى. فقد أفسحت الحماقة الأمريكيّة، كما زعمَ المليونير لوس حينها، السبيل لصعود ألمانيا النّازية. أمّا السبيل الوحيدة لتدارك هذا الخطأ، والحيلولة دون الصراعات المستقبليّة فتمثّل في أن تنضمّ الولايات المتحدة إلى جهود الحلفاء.

فمثلما غزت الولايات المتحدة الغربَ الأمريكيّ، ستخضِع الأمّة العلاقات الدوليّة وتحضّرها وتعيد تشكيلها.

بعد عشرة أشهر من نشر لوس لمقالته، هجمَ اليابانيون على بيرل هاربور، وبذلك دخلت الولايات المتحدة، التي كانت تساعد الحلفاء بالفعل، رسميًا إلى مستنقع الحرب. وعلى مدار السنوات الأربع التي أعقبت ذلك، خلصت شريحة واسعة من نخبة السياسة الخارجيّة إلى نتيجة لوس: أي أنّ السبيل الوحيدة لضمان أمن العالم يتمثل في أن تهيمن الولايات المتحدة عليه. قبِلَ الأمريكيون، نهاية الحرب، بهذا الواجب القويم المتمثل في أن يصبحوا على حد تعبير لوس: «مصدر النّفوذ والقوّة (..) الذي ينقلُ حياة البشر من دَرك الحيوانات إلى مستوى وصفه النبي داوود[1] بأنّه أقلّ قليلًا من مستوى الملائكة». لقد حلّ القرنُ الأمريكيّ.

انتهجت الولايات المتحدة الأمريكيّة في العقود التي تلت ذلك استراتيجيّة كبرى كان المؤرخ ستيفن ويرثيم قد صكّ لها مصطلحًا لائقًا هو «التسيُّد المُسلَّح». ووفقًا لمناصري هذه الاستراتيجيّة النُّبلاء، فإنّ الازدهار البشريّ والنظام الدوليّ ومستقبل الرأسماليّة الديمقراطيّة الليبراليّة يتوقّف على نشر الأمّة [الأمريكيّة] أذرعَها في كافّة أنحاء العالَم. وبينما كانت الولايات المتحدة الأمريكيّة على حذرٍ من توريط نفسها في شؤون تتعلق بما هو خارج نصف الكرة الأرضيّة قبل القرن العشرين، يمكن الآن رؤية الراية الأمريكيّة وهي تحلّق في كافّة أنحاء العالم. لتسهيل حملتهم العسكريّة الصّليبيّة، بنى الأمريكيّون ما أسماه المؤرّخ دانييل إيمروار بـ«إمبراطوريّة تنقيطيّة». فبينما ارتكزت معظم الإمبراطوريّات، تقليديًّا، على مصادرة واحتلال الأراضي الشاسعة، فإنّ الولايات المتحدة بَنَت قواعدها العسكريّة حول العالم لإبراز سلطتها. ومن هذه البؤر الاستعماريّة، أطلقت الولايات المتحدة الحروب التي قتلت الملايين من النّاس، حاميةً بذلك نظامًا رأسماليًّا يجرّ نفعه على الأثرياء، ويهدّد أيّة سلطة -ديمقراطيّة، أو أيًّا تكن- تمتلك الجرأة والشجاعة بمعارضتها.

كما رغِبَ لوس، غدت الولايات المتحدة -وهي الدّولة التي تشكّلت بعد إحدى أول الثورات المناهضة للاستعمار– مع نهاية القرن العشرين إمبراطوريّة غازية للعالم برمّته. وتطوّرت «المدينة الموضوعة على جبل»[2] إلى عاصمة محصّنة.

لكن في السنوات الست الماضية، بدأ حدثان مفصليان بإعادة تشكيل موقع الولايات المتحدة الأمريكيّة في العالم. أولًا، أوحى انتخاب دونالد ترمب للجمهور المحليّ والأجنبيّ معًا بأنّ البلاد قد لا تكون ملتزمةً إلى الأبد بفكرة أنّ «القيادة» العالميّة هي مصلحة أمريكيّة حيويّة. فترمب، عوضًا عن المناداة بحُرمة «النّظام الدوليّ الليبراليّ» المتَفاخر به، تعاطى مع العلاقات الدوليّة كما يمكن لأيّ رجل أعمال فاسد أن يتعاطى معها: إذ فعل ما بوسعه ليربح أقصى ما يمكن، ولا يُعطي سوى أقل ما يمكن. وعليه؛ فقد خرج ترمب عن عددٍ من الاتفاقيات والمُنظّمات الدوليّة -بما في ذلك منظّمة الصحة العالميّة، واتفاق باريس للمناخ، والاتفاق النوويّ الإيرانيّ، ومعاهدة الصواريخ النوويّة متوسطة المدى، واتفاقيّة السماوات المفتوحة- وأشعل حروبًا تجاريّة بقصد ترسيخ الشركات الأمريكيّة. هذه الأفعال والإجراءات، حين نصْحبها بخطابه العدوانيّ، إنّما أثبتت بأنّ العالم لم يعد بمقدوره الافتراض بأنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة ملتزمة بالدفاع عن الوضع القائم الجيوسياسيّ.

أمّا التحوّل الثاني، فقد تمثّل في أنّ بزوغ الصين كقوّة عسكريّة واقتصاديّة قد أفضى، على نحو لا رجعة عنه، إلى نهاية «لحظة أُحاديّة القطب» التي شهدتها التسعينيّات والعقد الأول من الألفيّة الثانيةفالدولة التي لم يُشر إليها سوى مؤخرًا باعتبارها «النّمر الصاعد» (لم يمت الاستشراق أبدًا) إنّما تُباهي وتُفاخرُ الآن بأنّها -وفقًا لبعض المؤشرات والمقاييس- تحوز على القوّة الأكبر اقتصاديًّا وعسكريًّا على ظهر البسيطة. إذ يوفّر البنك الآسيويّ للاستثمار في البنية التحتيّة وبنك التنمية الجديد بدائل عن صندوق النّقد الدوليّ وعن البنك الدوليّ وغيرهما من المؤسّسات المُهيمَن عليها غربيًّا؛ تلك المؤسّسات غير المحبوبة -بألطف تعبير ممكن- في الجنوب العالميّ.

تواجه الولايات المتحدة، لأوّل مرة منذ انهيار الاتحاد السوفييتيّ، دولةً يمثّل نموذجها -الذي يتألف من مزيج بين رأسماليّة الدولة وانضباطيّة الحزب الشيوعيّ- تحديًا حقيقيًّا للرأسماليّة الليبراليّة الديمقراطيّة التي تبدو عاجزة، على نحو متصاعد، عن معالجة كثيرٍ من الأزمات التي تحدق بها. إنّ صعود الصّين، وبريق العالم البديل الذي قد يُرافق هذا الصّعود، إنّما يوضّح أنّ القرن الأمريكيّ الذي نادى به لوس هو في أيّامه الأخيرة. بيد أنّه لم يتضح بعد ما الذي سيعقب هذا القرن الأمريكيّ. فهل محكومٌ علينا بأن نشهد عودةً للتنافس بين القوى العظمى؛ حيث تتصارع الولايات المتحدة والصّين على النفّوذ والتسيُّد؟ أمّ أنّ انحسار القوّة الأمريكيّة سُينتج أشكالًا جديدةً من التعاون العالميّ؟

في أيام أفول القرن الأمريكيّ هذه، انقسمت مؤسّسة السياسة الخارجيّة في واشنطن -متمثّلة في مراكز الأبحاث التي ترسم حدود الممكن- إلى فريقين متقاتلين؛ فالأمميّون الليبراليّون، الذين يُشدّدون على أنّ الولايات المتحدة يجب أن تحفظ مكانتها على عرش التسيُّد المسلّح العالميّ، يُدافعون عن الوضع الرّاهن. ويُعارضهم، في المقابل، المناصرون لسياسة ضبط النّفس، الذين يحثّون على إعادة التفكير جذريًّا في النّهج الأمريكيّ للسياسة الخارجيّة، بعيدًا عن العسكريتاريّة المسلّحة ودفعًا نحو أشكال سلميّة من العمل الدوليّ. وسوف تُحدِّد مُخرجات هذا الجدل ما إذا كانت الولايات المتحدة ستظلّ ملتزمةً بسياسة خارجيّة رجعيّة غير ملائمة للقرن الحادي والعشرين، أم ستتعاطى الدولة الأمريكيّة بصورة جديّة مع كوارث العقود الماضية، متخلّية عن التعجرف الذي تسبّب في إحداث كثير من المعاناة حول العالم، وتتبنّى في آخر المطاف استراتيجيّة كبرى لضبط النّفس.

تبلورت مبادئ الأمميّة الليبراليّة أوّل الأمر على يد وودرو ويلسون، حين كانت الحرب العالميّة الأولى تترنّح في نيسان عام 1917. وكما قال الرئيس آنذاك في جلسة مشتركة للكونغرس، فإنّ الجيش الأمريكيّ قوّة يجب استعمالها لجعل العالم «آمنًا للديمقراطيّة» (وبطبيعة الحال، ستُقرّر الولايات المتحدة أي دول تلك التي تُعدّ ديمقراطيّة). هناك فكرتان رئيسيتان كانتا المرشدين لعقيدة ويلسون: الأولى تتمثل في وهم الحقبة التقدميّة بأنّ التكنولوجيا والتقنيات الحديثة -وبالخصوص تلك المستعارة من العلوم الاجتماعيّة- قد تمكّن من الإدارة العقلانيّة للشؤون الخارجيّة؛ أمّا الفكرة الثانية، فهي أنّ «الشّراكة بين الدّول الديمقراطيّة» هي السبيل الأضمن لتأسيس «تناغم راسخ من أجل السلام». وهكذا، عمل خليفتا ويلسون الديمقراطيّان، فرانكلين ديلانو روزفلت وهاري إس ترومان، على مأسسة نهج سلفهما، واعتنقَ كلُّ رئيس منذ الأربعينيّات -إلّا ترمب- شكلًا ما من الأمميّة الليبراليّة. فحتى جورج بوش أسّس «تحالف المستعدّين» لغزو العراق، وشدّد على أنّ حروبه ما كانت إلّا لنشر الديمقراطيّة.

نظرًا إلى هيمنة الأمميّة الليبراليّة التي لم تخضع للتفنيد والسؤال في أروقة السّلطة، فليس أمرًا مفاجئًا أنّ هذه الدوغما ما تزالُ تحظى بكلّ دعم من مراكز الأبحاث ذات الأهميّة والأثر الكبير في واشنطن؛ وهي مراكز لم يُعرَف عنها بتاتًا بأنها تعض اليدَ التي تطعمها. إنّ أعضاء مجلس العلاقات الخارجيّة ومعهد بروكينجز ومركز الأمن الأمريكيّ الجديد إنّما يعتبرون الهيمنة الأمريكيّة شرطًا جوهريًّا للسلام العالميّ والرخاء الأمريكيّ. بالتالي؛ وفقًا لهؤلاء المناصرين المستميتين عن التفوق الأمريكيّ، فإنّ حقيقة أنّه ما من حرب كبرى وقعت منذ الحرب العالميّة الثانية بين القوى العظمى إنّما تدلّ على أنّ الهيمنة الأمريكيّة كانت قوّةً من أجل الخير إجمالًا.

لا يعني هذا أنّ الأُمميّين الليبراليين يعيشون في الماضي، فهم يدركون أنّ معظم الدّول تقبلُ بقواعد اللعبة، خلافًا للوضع أثناء الحرب العالميّة الثانية والحرب الباردة. فلا الصّين ولا فنزويلا ولا إيران حتى رفضت النّظام الليبراليّ الغربيّ بطريقة رفض ألمانيا النّازيّة له أو الاتحاد السوفييتيّ. وبينما قد تخرقُ دولٌ بعض القواعد من أجل مصالحها؛ فإنّ قلّة من الدول هي المنبوذة حقًّا، ولربّما، في واقع الحال، تكون روسيا وكوريا الشماليّة هما المنبوذتين حصرًا. فحتّى الخصوم، في الحقبةِ الحديثة، يتفاعلون معًا على نطاق أكثر اتساعًا وكثافة. ففي أثناء الحرب الباردة، نادرًا ما تاجرت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتيّ مع بعضهما البعض. أمّا الآن، فالصّين هي شريك من أكبر شركاء الولايات المتحدة التجاريين.

يطرحُ هذا سؤالًا للأمميّين الليبراليين: كيف على الولايات المتحدة أن تنافس في هذا العالم الجديد وتحتوي «التهديداتٍ» التي يواجهها نظامها القائم؟ للأسف، خلصُ أغلبيّتهم إلى إجابة من الماضي: فسواء أطلقوا عليها «تعدّدية الأطراف الديمقراطيّة» أم «استراتيجيّة إحياء العالم الحُرّ» أم «استراتيجيّة الديمقراطيّة المطوّرة كليًّا»، فإنّ الأمميين الليبراليين يأملون في تأسيس تحالف بين الديمقراطيّات على غرار التحالف الذي كان قائمًا أثناء الحرب الباردة، رغم أنّ هذا التحالف متمركز، هذه المرّة، على الديمقراطيّات في الجنوب العالميّ (أو الأنظمة غير الأوتوقراطيّة على الأقلّ). وفي حين أنّ الأمميين الليبراليين يزعمون رفضَهم إطار «الحرب الباردة الجديدة» مع الصين، الذي انتشر كالنّار في الهشيم داخل وسائل الإعلام الأمريكيّة، فإنّهم إنّما يعززون ويشجعون على ما يُعدّ فعليًّا استراتيجيّة لحقبة من الحرب الباردة مع ضمّ بضع دول غير بيضاء إلى هذا اللفيف.

مَثَلهم مَثل أسلافهم في الحرب الباردة، يؤمن الأمميّون الليبراليّون بأنّ نضالهم في سبيل الديمقراطيّة -وضدّ الصين التي يعتبرونها تهديدًا كبيرًا على القوّة الأمريكيّة- سيظلّ إلى أجلٍ غير معلوم. وكما شدّد مايكل براون وإريك تشوينغ وبافنيت سينغ في تقرير صدر حديثًا عن مؤسسة بروكينجز؛ فيجب على الولايات المتّحدة أن تستعدّ لـ«ماراثون القوّة العظمى»، وهو «سباق اقتصاديّ وتكنولوجيّ» مع الصّين ليس من المرجّح أن يصل إلى «نتيجة حاسمة». ولا بدّ للمجتمع الأمريكيّ، كما يصرّ الأمميّون الليبراليّون، أن يبقى في تأهّب للحرب في المستقبل المنظور. أما السّلام فغير وارد.

يمثّل الجيشُ الصينيّ -الذي يوظّف عديدًا نشطًا أكبر من أيّ دولةٍ أخرى- قَلقًا خاصًّا للأمميين الليبراليين. وعليه؛ لكبح احتمال الإكراه الصينيّ في شرق آسيا، فإنّهم يتبنون استراتيجيّة بموجبها تكون للولايات المتحدة عشرات الآلاف من القوّات المسلحة في اليابان وكوريا الجنوبيّة. ويحاججون بأنّ هذه الوضعيّة العدوانيّة ستقنعُ القادة الصينيين بأنّ اتخاذ أيّة مواقف معادية للولايات المتحدة ستبوء بالفشل. ومن المفارقة بالنسبة لمن قضوا سنواتهم القليلة الماضية يصبّون جام غضبهم ونقدهم على روسيا لتدخلها في انتخابات 2016، أن الأمميّين الليبراليّين يريد أيضًا أن يشنّوا حربًا معلوماتيّةً ضدّ الصين؛ مهرّبين معلومات سلبية أو مدمرة إلى البلاد كمحاولة لإثارة المعارضة المناهضة للشيوعيّة.

حين يتعلق الأمر بالاقتصاد، فإن الأمميّين الليبراليّين مسكونون بسؤال ما إذا كان لا بدّ لهم أن يجابهوا الصّين وإلى أيّ مدى، والصّين هي دولة سرقت مرارًا وتكرارًا الملكيّة الفكريّة الأمريكيّة ورفضت المُثل الليبراليّة الرأسماليّة عن السوق الحرّة. إذ إنّهم من ناحيةٍ قلقون من أنّ الصين بمقدورها أن تستعمل قوّتها العسكريّة مجبرةً الدول الأخرى للقبول برغباتها. وهم، من ناحيةٍ أخرى، يؤمنون بأنّ التبادل الحرّ أمر حيويّ لصحّة الاقتصاد الأمريكيّ. بالتالي؛ يوصي الأمميّون الليبراليّون بأن تتبنّى الدولة نهجًا تضغط بموجبه الولايات المتحدة على الصّين اقتصاديًّا، لكن ضمن حدود القوانين والأعراف والمعايير الدوليّة، ويأملون بذلك بمجابهة وقتال الصّين دون المساس بمصداقية الليبراليّة بشكل عام. وكما يُشيرُ هذا التصوّر، فإنّ الأمميين الليبراليين على وعي تمامًا بالصفعة التي نالت البرستيج الأمريكيّ في السنوات الأخيرة، ولا سيّما بعد الحرب في أفغانستان والعراق والأزمة الاقتصاديّة في عام 2008. فإذا كانت ترغب الولايات المتحدة في أن تهيمن، فلا بدّ لها التقيُّد بالقواعد التي كانت سعيدةً للغاية بخرْقها وكسرها في الماضي.

يصبو الأمميّون الليبراليون، في واقع الأمر، إلى سلوك السّبيلين معًا؛ أي تحدّي الصين دون المُخاطرة بنشوب حربٍ أو حصول تصدّع اقتصاديّ. بيد أنّ المشكلة تتمثّل في أنّ العلاقات الدوليّة لا يمكن إدارتها على النّحو الذي يفترضه الأمميّون الليبراليّون. وما الاجتياح الروسيّ لأوكرانيا -الذي كان مدفوعًا على الأقلّ جزئيًا بتوسع النّاتو في أوروبا الشرقيّة- سوى مثال جليّ على أن السلوك الرّامي إلى الحيلولة دون الحرب يمكن أن يشعلها. غير أنه يَصعب على الأمميين الليبراليين الاعتراف بهذه الحقائق البسيطة؛ فبالنسبةِ إليهم، لا يمكن استعادة القرن الأمريكيّ سوى بمواجهة الصّين وجهًا لوجه.

على النقيض، فإنّ المناصرين لسياسة ضبط النّفس يفهمون بأنّ القرن الأمريكيّ قد ولّى، ويشدّدون على أنّ التوسّع في استخدام الجيش الأمريكيّ لم يُفد الولايات المتحدة، أو العالم، وأنّ ترسيم مسار إيجابيّ في القرن الحادي والعشرين يقتضي تبني مقاربة شاملة تجاه المبادئ التي أرشدت السياسة الخارجيّة الأمريكيّة منذ الحرب العالميّة الثانية. يصبو المناصرون لسياسة ضبط النفس إلى تقليص الحضور الأمريكيّ في الخارج، وتقليل ميزانيّة الدفاع، واستعادة السّلطة الدستوريّة للكونغرس لإعلان الحرب، وضمان أن يكون للمواطنين الأمريكيين العاديين قولٌ فيما تفعله دولتهم في الخارج.

يمكن تعقُّب أصول سياسة ضبط النّفس إلى خطبة الوداع التي ألقاها جورج واشنطن في أيلول عام 1796، حين حذّر الرئيس الأمريكيّ من «الإيقاع بسلامنا ورخائنا في شراك الطّموح الأوروبيّ أو في المنافسة أو المصلحة أو الهزل أو الهَوى». بعد مرور 25 عامًا على هذه الخطبة، شدّد وزير الخارجيّة آنذاك جون كوينسي آدامز على أنّ السّمة المميّزة للولايات المتحدة هي أنّها «كفّت يدها عن التدخّل في شؤون الآخرين (..) فالولايات المتحدة لا تذهب للخارج لتبحث عن وحوشٍ لتدمّرها». وظلّت سياسة ضبط النّفس سارية وشائعة طيلة معظم القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين؛ ففي الحرب العالميّة الأولى، مثلًا، لاقى ويلسون انتقاداتٍ كبرى من أولئك الذين حاججوا بأنّ الولايات المتحدة عليها ألّا تضطلع بمشاريع تبشيريّة لإعادة تشكيل العالم. وبالطبع، فإنّ تاريخ السياسة الخارجيّة الأمريكيّة أبعد ما يكون عن سياسة ضبط النّفس. فالولايات المتحدة، ومنذ البدايةِ، توسّعت غربًا، مشرِّدةً وقاتلةً للشعوب الأصليّة ومستوليّةً في نهاية المطاف على عدد من المستعمرات المأهولة بالسّكان في منطقة محيط الهادئ والبحر الكاريبي.

لكن، ورّغم أنّ سياسة ضبط النّفس لم تُطبَّق في الممارسة على الدّوام، فإنّ هذه الاستراتيجيّة قد اجتذبت أتباع كثر. اختلفت الأمور أثناء الحرب العالميّة الثانية، حين غدت استراتيجيّة ضبْط النفس مرتبطة بلجنة «أمريكا أولًا» المعادية للساميّة، وهي مجموعة من الليبرتاريين الهامشيين سياسيًّا ودعاة السلام و«الانعزاليين» عديمي المصداقية. ففي الحزب الديمقراطيّ، استُبعد نائب الرئيس السّابق هنري والاس وغيره من المناصريين التقدّميين لسياسة ضبط النّفس، إلى جانب السيناتور روبرت أتافت وغيره من الجمهوريين المناهضين للتدخل الأمريكي في الخارج. ورغم أنّ سياسة ضبط النّفس بقيت تتغلغلُ في حركات اجتماعيّة مثل مقاومة الحرب الفيتناميّة في الستينيّات، ومراكز الأبحاث كمعهد كاتو ومركز الدراسات السياسيّة، إلّا أنّها ظلّت موقفًا غير مؤثر إلى أن فشلت السياسة الخارجيّة في أفغانستان والعراق وليبيا.

في أعقاب هذه الإخفاقات، عاد الاهتمام بسياسة ضبط النّفس، ويتّضح ذلك من حقيقة أنّ هناك مركزين بحثيين أسِّسا مؤخرًا بهدف مناصرة المبادئ الرئيسيّة لسياسة ضبط النّفس، هما مركز أولويّات الدفاع، ومعهد كوينسي –حيثُ أعملُ كزميل غير دائم وغير مأجور-. وقد لخّص جيل بارندولار من مركز أولويات الدّفاع أهداف السياسة الخارجيّة لاستراتيجيّة ضبط النّفس، على نحو ناجع، كالتالي: المساعدة على تحقيق «أمن الولايات المتحدة، والمرور الحرّ في المشاعات العالميّة، وأمن حلفاء الولايات المتحدة المرتبطين بها بمعاهدات، وكبح بزوغ أيّ هيمنة أوراسية». ولمّا كانت المشكلات الكبرى في القرن الحادي والعشرين لا يمكن حلّها بالقوّة العسكريّة الأمريكيّة، بل تقتضي، عوضًا عن ذلك، تعاونًا متعدّدَ الأطراف مع الدول التي لديها أنظمة سياسيّة مختلفة، فما من مبرّر يدعو الولايات المتحدة لأن تروج الديمقراطيّة في الخارج أو تتصرّف وكأنّها القوة البوليسيّة العالميّة.

بالتالي؛ لا ينظر مناصرو سياسة ضبط النّفس إلى الصين كتهديدٍ وجوديّ. حين يتعلّق الأمر بشرق آسيا، فإنّ هدفهم مصبوب على الحيلولة دون نشوب حرب في المنطقة، بغيةَ تسهيل التعاون في المشاكل العالميّة كقضيّة تغيّر المناخ والأوبئة. وكما يُشدّد مناصرو سياسة ضبط النّفس، فإنّ هذه الغاية يمكن إنجازها وبلوغها دون الهيمنة الأمريكيّة.

لذا، يروّج مناصرو سياسة ضبط النّفس لـ«مقاربة دفاعيّة مانعة»، وهي مقاربة متركزة على استخدام القوّة العسكريّة الأمريكيّة لمنع الصّين من الهيمنة على بحار شرق آسيا ونطاقاتها الجويّة. ويريدون أيضًا مساعدة الشركاء الإقليميين على تطوير قدراتهم على مقاومة نفوذ الصين وسلطتها، ويحاججون بأنّه يجب على الولايات المتحدة أن تضع قواتها بعيدًا عن الساحل الصينيّ، ملتزمين بمواقف دفاعيّة على نحو واضح وجليّ. سياسة كفّ اليد عن التدخل هذه تنطبقُ أيضًا على تايوان وحقوق الإنسان، إذ يصرّ مناصرو سياسة ضبط النفس أن الصين إذا أرادت الاستيلاء على تايوان، فعلى الولايات المتحدة ألّا تشن حربًا عالميّةً ثالثةً لكبحها عن القيام بذلك. وإذا أرادت الصين أن تقمعَ سكّانها، فلا يوجد الكثير مما يمكن أو ينبغي للولايات المتحدة فعله حيال ذلك الوضع.

يكمن الخلاف الأساسيّ بين هاتين المدرستين الفكريّتين في التالي: يؤمن الأمميّون الليبراليّون بأنّ الولايات المتحدة بإمكانها أن تدير الشؤون الخارجيّة وتتنبّأ بها، بينما لا يؤمن مناصرو سياسة ضبط النّفس بذلك. فبالنسبة إلينا في هذا المعسكر الأخير، لا يمكن عكس مسار اضمحلال القرن الأمريكي، بل يمكن التكيُّف معه واستيعابه فحسب.

يتعلق السؤال عن الاستراتيجيّة التي يتوجّب على الولايات المتحدة الأمريكيّة أن تنتهجها، في جوهره، بالتأويل التاريخيّ. فهل كانت الهيمنةُ الأمريكيّة في القرن الماضي أمرًا جيدًا بالنسبة للولايات المتحدة، وللعالم؟

حين يلقي المرء نظرة فاحصة ومتأنّية على السياسة الخارجيّة الأمريكيّة بعد عام 1945، يتضح جليًا أنّ الولايات المتحدة تسبّبت في خلق قدر كبير من المعاناة، كان لنهج أكثر تأنيًا وحفظًا للنّفس أن يتجنّبها. بعض هذه الإخفاقات التي قادتها الولايات المتحدة شائنة: فالحروب في كوريا وفيتنام والعراق وأفغانستان أسفرت عن موت وتشريد واستئصال الملايين من البشر. وعلاوةً على ذلك، هناك الكثير من الأمثلة غير الرائجة عن مساعدة الولايات المتحدة لتنصيب قادتها المفضّلين في بلدان الخارج. فقد فرضت الدّولة أثناء الحرب الباردة تغييرات في النّظام الحاكم في إيران وغواتيمالا وجمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة وغيانا البريطانيّة وجنوب فيتنام وبوليفيا والبرازيل وبنما وإندونيسيا وسوريا وتشيلي.

وكما يُشير هذا السجل، فإنّ الحرب الباردة لم تكن «السّلام الطويل» الذي يثمّنه الكثير من الأمميّين الليبراليين، بل كانت، على العكس من ذلك، عنيفة على نحو لا يمكن تصديقه. يُقدِّر المؤرخ بول توماس شامبرلين بأنّ عشرين مليون إنسان، على الأقلّ، ماتوا في صراعات الحرب الباردة؛ أي ما يُكافئ 1200 حالة وفاة يوميًّا لـ45 عامًا. ولم ينتهِ التدخل الأمريكيّ بنهاية الحرب الباردة؛ فعلاوة على تدخّلها في العراق وأفغانستان وليبيا، تدخّلت الولايات المتحدة خارجيًّا 122 مرّة بين عاميْ 1990 و2017، وفقًا لمشروع التدخل العسكريّ في جامعة تافتس. وبحسب مشروع تكلفة الحرب في جامعة براون، فإنّ الحرب على الإرهاب استُخدِمت لتبرير القيام بعمليّات فيما يقرب من نصف دول المعمورة.

من الواضح أنّ هذه التدخلات قد انتهكت مبدأ السيادة، وهو أساس العلاقات الدوليّة. بيد أنّ الأهمّ من ذلك، هو أنّ هذه التدخلات تمخّضت عنها نتائج مروّعة. فكما شدّدت العالمة السياسيّة ليندزي أورورك، فإنّ الدول التي استهدفت الولايات المتحدة تغيير أنظمتها كانت أكثر عرضةً للحروب الأهليّة والقتل الجماعيّ وانتهاكات حقوق الإنسان والتردّي الديمقراطيّ من الدول الأخرى التي تمّ تجاهلها.

حين يتعلّق الأمر بالمنافع والمكاسب التي جناها الأمريكيّون العاديّون من إمبراطوريّتهم، يصعب أيضًا الدفاع عن هذا السجل التاريخيّ للولايات المتحدة. صحيحٌ أنّ التفوق العسكريّ في العقود الثلاثة التي أعقبت الحرب العالميّة الثانية ضمنَ شروط تجاريّة سمحت للأمريكيين بأنْ يستهلكوا أكثر من أيّة جماعة بشريّة أخرى في تاريخ العالَم (مما سبّب ضررًا بيئيًا لا يمكن تخيّله جرّاء هذه الصيرورة الاستهلاكيّة)، بيد أنّه حينما فسحت «الصفقة الجديدة» الطريق إلى النيوليبراليّة، تقلّصت منافع التفوّق العسكريّ. فمنذ أواخر السبعينيّات، يعاني الأمريكيّون من العواقب السّلبيّة للإمبراطوريّةثقافة سياسيّة مُعسْكرَة، وعنصريّة وكارهة للأجانب، وقوّات بوليسيّة مسلّحة بأسلحة كتلك التي يحملها الجيش، وميزانيّة دفاع متضخّمة، وحروب لا نهاية لها، دون عائد في المقابل، باستثناء العائد النفسي للعيش في المركز الإمبرياليّ.

في واقع الحال، كلّما أمعن المرء في القرن الأمريكيّ، أدركَ أكثر أنّ حُكْم الولايات المتحدة كهيمنة عالميّة يمثل انحرافًا تاريخيًّا. من غير المحتمل أن تسمح الظروف الجيوسياسيّة لدولةٍ أخرى بأن تصبح قوّة فاعلة مثلما الولايات المتحدة في أغلب العقود السبعة السالفة. فحينما بزغت الأمّة الأمريكيّة لأول مرّة منتصرةً على المسرح العالميّ عام 1945، كانت قوّتها مدهشة. لقد أنتجت الولايات المتحدة نصف السّلع المصّنعة في العالم، وكانت مصدرًا لثلث صادرات العالم، ودائنًا عالميًّا، متمتعةً بالاحتكار النوويّ، ومسيطرةً على جيش ضخم لا مثيل له. وتمثّل المنافس الأقرب لها في الاتحاد السوفييتيّ المكبّل الذي يصارع من أجل التعافي من خسارة أكثر من 20 مليون مواطنًا وتبديد مساحات شاسعة من أراضيه.

وبالمثل، كانت قوّة الولايات المتحدة مدهشةً بعد انهيار الاتحاد السوفييتيّ في بواكير التسعينيّات، بالأخص حينما تُضمّ قوّتها إلى قوّة حلفائها الغربيين. فقد سيطرت مجموعة السّبع -كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتّحدة والولايات المتحدة- عام 1992 على 68% من الناتج المحليّ العالميّ، مع إبقائهم على جيوش متقدّمة يمكنها -مثلما أثبتت حرب الخليج على ما يبدو- أن تحقّق أهدافهم سريعًا وبكلفة رخيصة وبأقلّ قدر من الخسائر في حيوات الغربيين.

غير أنّ الحال لم يعد كذلك. فالنّاتج الإجماليّ لمجموعة السبع هبط بحلول عام 2020 إلى 31% من الناتج الإجماليّ العالميّ، ويتوقَّع له أن يقلّ أكثر ليصل إلى 29% بحلول عام 2024، والمرجّح أن يتواصل هذا المسار. فإذا أثبتت الثلاثون عامًا الماضية من الحروب الأمريكيّة شيئًا، فهو أن الجيوش المتقدّمة لا تحقق أهدافها السياسيّة المنشودة دائمًا. وليست الولايات المتحدة، ولا حلفاؤها، على الحال التي كانوا عليها من قبل. لم تكن الهيمنة سوى حالة شاذة؛ حادثة تاريخيّة من غير المرجّح أن تكرر، على الأقل في مستقبلنا المنظور.

هناك أيضًا إشكالات أكثر جذريًة، وحتى وجودية، في المقاربة الأمميّة الليبراليّة. فالأمميّة الليبراليّة ما هي إلّا نتاجٌ لمرحلة نهاية القرن، حين آمنَ المفكرون والنشطاء وصانعو السياسات التقدميون بأن العقلانيّة يمكن لها أن تسيطر على الشؤون الإنسانيّة. بيد أنّ هذا الحلم أثبت أنه ليس سوى حلم. فما من أمّة -بغض النظر عن مدى قوّتها- لديها المقدرة على التحكم بالعلاقات الدوليّة، وهو مجال مسكون بعمق باللايقين، على النحو الذي كان يأمله ويلسون وغيره من التقدميين. فالعالمُ ليس رقعة شطرنج.

أضِف إلى ذلك أنّ استراتيجيّة «الديمقراطيّة أولًا» التي يتبناها الأمميون الليبراليون إنّما تفترضُ نموذجًا مانويًّا للجيوسياسة [يقوم على الصراع الثنائي بين الخير والشر]؛ وهو نموذجٌ غير متسق ويأتي بنتائج عكسيّة. فرغم عويلهم بشأن الديمقراطيّة، فإنّ الأمميين الليبراليين يتعاونون بصورة جيدة مع الديكتاتوريّات، من السعوديّة إلى مصر، حين تخدم المصالح الأمريكيّة المتخيّلة. وعلى الأرجح، سيستمر ذلك، جاعلًا أيّ نوع من استراتيجيّة «الديمقراطيّة أولًا» استراتيجيّة خطابيّة بالأساس. بيد أنّ التمركز حول الديمقراطيّة خطابيًّا قد يكون له تداعيات عميقة. إذ إنّ تقسيم العالم إلى ديمقراطيّات «خيّرة» وأنظمة سلطويّة «شريرة» يضيّق مساحة الاشتباك والتعاون مع كثير من الدول غير الحليفة حاليًا مع الولايات المتّحدة. فصانعو القرار الذين ينظرون إلى الأوتوقراطيّات باعتبارها خصومًا حتميين أقلّ احتمالًا بحمل مصالحهم على محمل الجدّ، وقد يخطئون حتى في قراءة نواياهم. حصلَ هذا الأمر في خمسينيّات وستينيّات القرن الماضي مرارًا وتكرارًا، حينما أصرّ المسؤولون الأمريكيّون على أنّ طبيعة النظام السوفييتيّ نفسها تجعل من الوصول إلى انفراجة دوليّة أمرًا عسيرًا. ولم تتحقق الانفراجة السياسيّة الدوليّة في واقع الأمر سوى في السبعينيّات، بعد أن توصّل صنّاع القرار إلى أنّ الاتحاد السوفييتيّ يجب أن يُعامل كدولة طبيعيّة لها مصالح طبيعيّة، بغض النظر عن بنيتها السياسيّة. وما إن توصّل الأمريكيّون إلى هذا النهج حتى أضحى بيّنًا أن السوفييت، مِثْلهم، يفضّلون استقرار القوى العظمى على الحرب النوويّة.

ونظرًا إلى أنّه من العسير أن نعرف ما ستفعله بالضبط حكومة كالحكومة الصينيّة، ينزعُ الأمميّون الليبراليّون إلى تسطيح التعقيدات التي تُشكّل سلوكها، مفترضين أنّ الصين ستتوسّع إلى [ما تسمح به] حدود قوّتها. هذه الفكرة متأثرة بالمدرسة الواقعيّة الكلاسيكيّة في السياسة الخارجيّة، التي تنصّ، باقتفاء أثر العالم السياسيّ المهاجر هانز مورغانثو، على أنّ الدول لديها «شهوة سلطة»، أي إرادة بالهيمنة(وغير مفاجئ أنهم يفترضون أن على الولايات المتحدة أن تتصرّف بناءً على دوافع أكثر نبلًا). لهذا السبب، يزعمُ بعض الأمميّون الليبراليّون أنّ الصين ستملأ أي فراغ في السلطة يمكنها ملؤه.

لكن، هل هذا توصيف دقيق للصين، أو لأية دولة حديثة أخرى أصلًا؟ وُلدت الواقعيّة الكلاسيكيّة إثر صدمات ثلاثينيات القرن المنصرم، حين اعتبرَت قوتان عظيمتان آنذاك، هما ألمانيا النازيّة واليابان الإمبرياليّة، أن احتلال الأراضي الخارجيّة يمثّل أمرًا حيويًّا لمستقبلهما. فقد صاغت تجربة التوسع الألمانيّ واليابانيّ بعمق عملَ المفكرين في منتصف القرن العشرين من أمثال مورغانثو؛ وهو الذي شدّد على أنّ البحث عن المجال الحيويّ عبّر عن قوانين أعمّ للعلاقات الدوليّة.

لسوء حظ هؤلاء الأمميين الليبراليين المدينين إلى مدرسة الواقعيّة الكلاسيكيّة، فإنّ الدول تتخذ القرارات بناءً على أسباب كثيرة، بدءًا من نوع النّظام (أهي دولةٌ ديمقراطيّة أم استبداديّة)، إلى السيكولوجيا الفرديّة (هل هذا القائد بعينه سليمٌ عقليًا)، إلى الثقافة (ما هو السلوك الذي تُثمّنه أمة ما؟). وحين يأتي الأمر لتفسير لماذا تتصرف الصين على هذا النحو -أو روسيا أو إيران أو كوريا الشماليّة فليس ناجعًا بالأخص أن تتجاهل كلّ شيء يجعل الدولة فريدةً لصالح التشديد على عوامل ثابتة غير قابلة للتغيير.

إنّ المقاربة التاريخيّة لمناصري سياسة ضبط النّفس تمثل سبيلًا أكثر نجاعة لتحليل العلاقات الدوليّة. إذ يركّز مناصرو سياسة ضبط النّفس على ما فعلته الصين، لا على ما قد تفعله؛ فبالنسبة لهم، الصين دولة موجودة في العالم، لديها مصالحها وشؤونها الخاصّة بها، وليست تجريدًا نظريًّا يجسّد قوانين فوق-تاريخيّة (تعكس بذاتها قلقًا أمريكيًّا).

وعند تمحيص ما فعلته الصّين، فالأدلة جليّة: ففي حين من الواضح أنّ الدولة تصبو إلى أن تكون قوّة عظمى في شرق آسيا، وتأملُ في غزو تايوان يومًا ما، فليس هناك الكثير مما يوحي بأنّها ترمي –في الأمد القصير على الأقلّ- إلى أن تحلّ محلّ الولايات المتحدة الأمريكيّة كقوّة مهيمنة إقليميّة، فضلًا عن أن تكون قوة مهيمنة عالميّة. كما أنّه لا الميزانيّة العسكريّة الصينيّة المتزايدة (والتي تقل مقارنةً بالولايات المتحدة بـ800 مليار دولار) ولا مساعداتها للتنمية الخارجيّة (والتي لا صلة لها بسياسات الدولة المُستقبلة للمساعدات) تشير إلى أنّها ترغبُ في الهيمنة. في الواقع، إنّ القادة الصينيين -الذين يتسامحون مع وجود عشرات الآلاف من القوات المسلحة بمقربة من حدودهم- يبدو أنّهم راغبون في السماح للولايات المتحدة بأنْ تظلّ لاعبًا أساسيًّا في آسيا؛ وهو شيءٌ لن يقرّ به الأمريكيّون قطّ في نصف الكرة الغربيّ.

للمفارقة، فإنّ الأمميين الليبراليين يفرضون أهدافهم للهيمنة على الصّين. فالتزامهم بالتفوق العسكريّ -وهو التزامٌ أفضى إلى نشوب حروب متتالية– إنّما يهدّد بزيادة التوتر مع دولة لا بدّ للأمريكيين أن يتعاونوا معها لحلّ الإشكالات الحقيقيّة للقرن الحادي والعشرين، كتغير المناخ، والأوبئة، واللامساواة. عند مقارنته بهذه التهديدات الوجوديّة، يبدو هوس الأمميين الليبراليين بالتسيّد أثرًا من حقبة ولّت. علينا أن نتجاوز هذا الهوس لصالح العالم.

مع ذلك، فإنّ أغلبية الأمريكيين في الوقت الراهن يؤيّدون الأمميين الليبراليين: بحسب استطلاع رأي أجرته مؤسسة بيو في بدايات عام 2020، فإن 91% من البالغين الأمريكيين يعتقدون أنّ «كون الولايات المتحدة القوة القائدة للعالم هو أمر في صالح العالم»، في ارتفاع عن نسبة عام 2018 التي كانت 88%.

لكن هناك انقسامًا جِيليًّا متزايدًا بشأن مستقبل السياسة الخارجيّة للولايات المتحدة الأمريكيّة. مثلًا، اكتشف استطلاع رأي أجراه مجلس شيكاغو للشؤون العالميّة عام 2017 أنّ 44% فقط من جيل الألفيّة [مواليد 1981-1996] يؤمنون بأنه «أمر مهم جدًا» للولايات المتحدة أن تحافظ على «قوة عسكريّة متفوقة في كافة أرجاء العالم»، مقارنةً بجيل الطفرة [مواليد 1946-1964الذي كانت نسبته 64%. وفي استطلاع أُجري عام 2019، اتضح أنه من المرجح أن يتفق جيل Z [مواليد 1997-2012] مع جيل الألفيّة أكثر من جيل الطفرة على أنّه «سيكون أمرًا مقبولًا أن تصبح دولة أخرى بقوة الولايات المتحدة عسكريًا».

إنّ حقيقة أنّ الأمريكيين الأصغر سنًّا يفتحون أعينهم على الفشل المتشعب والبيّن للأمميّة الليبراليّة توفر للولايات المتحدة فرصة هائلة: إذ يمكنها أن تخلع عنها رداء الأمميّة الليبراليّة غير المسؤولة والاستعلائيّة، في سبيل تبني سياسة ضبط النفس. وهذه مهمة عسيرة بإقرار الجميع. فقد حكم الأمريكيّون العالم لأمد طويل لدرجة أنهم يعتقدون بأنّ من حقهم وواجبهم أن يحكموه (لا سيما أنّ معظم الأمريكيين لا يتعين عليهم أن يخوضوا حروب دولتهم). وفي غضون ذلك، يحصل أعضاء من الكونغرس على حصة كبيرة من الأموال من مقاولي الدفاع، رغم أن دوائرهم لا تحصل سوى على عدد قليل من الوظائف. فالجنرالات المتقاعدون والمثقفون المتحذلقون يعتمدون سويًا في وظائفهم على الصناعة العسكرية. وما تزال سياسة ضبط النفس موقف الأقليّة داخل الأحزاب السياسيّة الكبرى.

يبقى السؤال مفتوحًا عما إذا كانت السياسة الخارجيّة الأمريكيّة يمكن أن تتحوّل على نحو يعكس تمامًا فهمًا لسيئات الإمبراطوريّة، ويدرك منافع نهج أقلّ عنفًا للعالم. لكن، على صانعي السياسات أن يخططوا لمستقبل يتجاوز القرن الأمريكيّ، وأن يقرّوا بحقيقة أنّ المساعي المبذولة لإحياء أمجاد الماضي الشائن لن تبوء بالفشل فحسب، بل قد تؤدي إلى الحرب.

لم ينجز القرن الأمريكيّ الأهداف المتعالية التي وضعها له أوليغارشيون من شاكلة هنري لوس. لكنّه أثبت أنّ مساعي حكم العالم بالقوة محكومة بالفشل. إنّ المهمة المطروحة في المئة عام القادمة لن تكون خلق قرن أمريكيّ جديد، بل خلق قرن عالميّ؛ قرن لا تقيَّد فيه القوّة الأمريكيّة فحسب، بل تُقلَّص، وتكرس فيه كلّ أمة نفسها لحل المشكلات التي تهدّدنا جميعًا. وكما أفصح عنوانُ كتاب من أكثر الكتب مبيعًا عام 1946، قبل أن تعرقل الحرب الباردة كل محاولة لبناء شراكة دوليّة حقيقيّة، لن يكون أمامنا سوى «عالم واحد أو لا شيء على الإطلاق».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى