أخر الأخبارالقضية الفلسطينيةدراسات

من “الحسم” إلى “النصر الكافي”.. قراءة في تغيرات العقيدة الأمنية الإسرائيلية

أشرف بدر إطار

تداول المهتمون بالشأن الإسرائيلي من جديد النظرية الأمنية الإسرائيلية على ضوء الهجوم الأخير على قطاع غزة، والذي أطلقت عليه “إسرائيل” اسم “بزوغ الفجر” بينما أسمته المقاومة “وحدة الساحات”. فما هي أسس النظرية الأمنية الإسرائيلية وماذا طرأ عليها من تغيرات وتحولات؟ هذا ما نسعى للإجابة عليه في هذه المقالة من خلال الرجوع إلى المصادر الأولية الإسرائيلية واستراتيجية الجيش المعلن عنها لسنة 2018. تجادل المقالة بحدوث تغير في النظرية الأمنية التي نشأت عليها “إسرائيل”؛ نتيجة لفاعلية المقاومة وتأثر الكيان الصهيوني بالعوامل الخارجية والتناقضات الداخلية.

يمكننا القول ومن خلال تتبع الأدبيات الإسرائيلية المنشورة بعدم وجود نظرية أمنية تعتمدها “إسرائيل” رسميًا على نحو معلن، وإنما توجد مجموعة من المبادئ والتوجيهات التي وضعها القادة “الإسرائيليون”، يشتق منها قادة جيش الاحتلال عقيدتهم القتالية.

تأسست النظرية الأمنية الإسرائيلية على مفهوم “الجدار الحديدي” الذي وضعه أحد رواد الصهيونية التصحيحية زئيف جابوتينسكي، والذي يَفترض استحالة تسليم سكان فلسطين والعرب بوجود المستعمرين اليهود، وبالتالي يجب مواجهة العرب بالقوة وصنع ما يشبه “الجدار الحديدي” في أذهان أعداء المشروع الصهيوني، يحول بينهم وبين مهاجمة هذا المشروع ومحاولة تقويضه.

تلقف دافيد بن غوريون أول رئيس وزراء لـ “إسرئيل” مفهوم “الجدار الحديدي” ليبني عليه في بداية خمسينيات القرن العشرين ما عرف فيما بعد بـ “نظرية بن غوريون للأمن القومي”. تنطلق النظرية من الافتراض بتعرض “إسرائيل” لخطر وجودي دائم من العرب الذين يرفضون وجودها، ومن ثمّ يجب على “إسرائيل” الاستناد إلى قوتها وجيشها، الذي يضم جميع أفراد “الشعب” اليهودي، عبر تبني سياسة التجنيد الإجباري، بحيث يتكون الجيش من قوة منظمة أساسية يسندها جنود الاحتياط. علاوة على اعتماد ثالوث أمني يتكون من الردع، والحسم، والإنذار المبكر.

تأسست النظرية الأمنية “الإسرائيلية” على مفهوم “الجدار الحديدي” الذي وضعه أحد رواد الصهيونية التصحيحية زئيف جابوتينسكي، والذي يَفترض استحالة تسليم سكان فلسطين والعرب بوجود المستعمرين اليهود، وطوّرها بن غوريون بناء على افتراض تعرض “إسرائيل” لخطر وجودي دائم، يوجب عليه بناء جيش الشعب، والتجنيد الإجباري الواسع، علاوة على اعتماد ثالوث أمني يتكون من الردع، والحسم، والانذار المبكر.

 النصر الكافي

تفتقر “إسرائيل” إلى العمق الاستراتيجي، فقلب الكيان الصهيوني (تل أبيب) يبعد 25 كيلومترًا عن الخط الأخضر، ومن ثمّ تحتاج “إسرائيل” إلى قوة استخباراتية متقدمة ومتطورة، تكشف عن نوايا أعدائها، إضافة إلى ذلك تحتاج إلى فترة لا تقلّ عن 72 ساعة لاستدعاء جنود الاحتياط، ومن هنا برزت أهمية الإنذار المبكر في الثالوث الأمني. وحتى لا يمتد القتال إلى فترة زمنية طويلة تستنزف القدرات البشرية والمادية المحدودة لـ “إسرائيل”، تم تبني مفهوم الحسم، بمعنى توجيه ضربة قوية قاصمة للخصم تجبره على إنهاء هجومه، وتضمن تقصير مدة الحرب. أمّا الردع فهو الغاية الأساسية من استخدام أسلوب الحسم وتوجيه ضربة قاصمة للخصم، بحيث يدفعه ذلك لعدم التفكير مجددًا بخوض أي هجوم ضد “إسرائيل”.

تناولت نظرية بن غورويون كيفية التعامل مع الجيوش النظامية، لكن التطورات في المشهد الإقليمي، وخروج أكبر دولة عربية (مصر) من دائرة المواجهة المباشرة، عقب حرب أكتوبر 1973 وعقد اتفاقية كامب ديفيد للسلام (1978)، دفع الأمور نحو تزايد دور التنظيمات الفلسطينية المقاومة، والتي تمركزت وقتئذ في جنوب لبنان.

ساهم التحول من محاربة الجيوش النظامية إلى الجيوش غير النظامية بإعادة النظر في النظرية الأمنية التي وضعها بن غوريون. لمست قيادة الاحتلال صعوبة تحقيق الحسم في حربها مع التنظيمات الفدائية الفلسطينية، فالحديث هنا لا يدور عن جيش نظاميّ له قيادة مركزية وقوات تتمركز في مواقع معينة، يمكن توجيه ضربة “حاسمة” لها. وإنما يدور حول أسلوب حرب العصابات الذي تديره التنظيمات الفلسطينية، على شكل مجموعات ومليشيات متفرقة، يصعب استهدافها واستئصالها بشكل كامل، في ضربة واحدة ساحقة.

أدّت التطورات في المشهد الإقليمي، وخروج أكبر دولة عربية (مصر) من دائرة المواجهة المباشرة مع الاحتلال بعد كامب ديفد، و التحول من محاربة الجيوش النظامية إلى محاربة حركات المقاومة التي تتسم باللامركزية والتي يصعب تقويضها والقضاء عليها إلى انتقال “إسرائيل” من تبني مفهوم “الحسم” إلى “النصر الكافي” في الحرب.

دفع التحول نحو الحرب ضد الجيوش غير النظامية القيادة الإسرائيلية إلى تبني مفهوم للانتصار مختلف عن الحسم، فبدل “الحسم” حل مفهوم “النصر الكافي”، والذي يتضمن تعطيل قدرات التنظيمات الفدائية ويحقق فترة من الهدوء الأمني، دون القضاء بشكل مبرم على قدرات المقاومة التي قد تستأنف نشاطها فيما بعد، وهذا ما حدث فعلاً مع التنظيمات الفلسطينية في قطاع غزة فترة السبعينيات، وكذلك بعد حملة “السور الواقي” في الضفة الغربية سنة 2002.

سياسات الاحتلال في مواجهة المقاومة

انعكس تبني مفهوم “النصر الكافي” على سياسات الجيش الإسرائيلي. ظهرَ ذلك في تبني ما عرف بـ “عقيدة الضاحية”، و”جز العشب”، و”المعركة (الحملة) بين الحروب”. تجسدت “عقيدة الضاحية” في حرب لبنان 2006، (وكذلك في الحروب التي شنها الاحتلال على قطاع غزة)، عندما استُهدِفت الضاحية الجنوبية في بيروت (معقل حزب الله) ودُمّرت مبانيها السكنية وبنيتها التحتية. كان الهدف المعلن لهذه السياسة تحقيق حالة من الردع تساهم في منع أي هجمات مستقبلية، على افتراض أن الخسائر الفادحة في صفوف الحاضنة الشعبية ستدفع المقاومة إلى عدم “استسهال” خوض مواجهة جديدة مع الكيان الصهيوني، وستخلق حالة من الردع.

فيما يتعلق بسياسة “جز العشب” فقد ترسخت عقب حملة “السور الواقي” التي شنها الاحتلال سنة 2002 على الضفة الغربية، بعد عجز الجيش الإسرائيلي عن وقف الهجمات الفدائية المنطلقة من المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية. ساهمت الحملات العسكرية المتلاحقة والمنبثقة عن مفهوم “جز العشب”، والمتضمنة إجراء اعتقالات واغتيالات للمقاومين الفلسطينيين، في توفير حالة من الهدوء الأمني المؤقت، مع الأخذ بعين الاعتبار احتمالية استئناف المقاومة نشاطها بعد استعادة عافيتها.

ظهر النصر الكافي في سياسات عدة، منها:

“عقيدة الضاحية”: أخذت من القصف المكثف للضاحية الجنوب لبيروت في 2006، وتهدف إلى إلحاق خسائر فادحة في البنية التحتية للبلد، واستهداف الحاضنة الشعبية للمقاومة لردعها ومنعها من مواجهة “إسرائيل مرة أخرى

أمّا المعركة (الحملة) بين الحروب فهي ركيزة اعتمدت رسميًّا في استراتيجية الجيش الإسرائيلي المعلن عنها سنة 2018، وتتضمن توجيه ضربات استباقية للخصم، بهدف منعه من امتلاك وسائل القوة أو التخطيط لهجمات ضد “إسرائيل”، ولتعزيز حالة الردع، التي يحرص جيش الاحتلال دومًا على إبقائها حاضرةً بقوّة في المعادلة. يستند نهج المعركة بين الحروب على المعلومات الاستخباراتية، مع اعتماد كبير على سلاح الطيران الإسرائيلي، بحيث تُشنّ هجمات مركّزة وقوية على قدرات الخصم، (كما يحدث في سوريا من قصف إسرائيلي لمنع امتلاك المقاومة سلاحًا نوعيًّا)، وذلك بهدف الحدّ من تعاظم قوة الخصم. إن نهج المعركة بين الحروب يحمل في طياته مخاطرة تطور الأمور إلى حرب، لكن القيادة الإسرائيلية تحاول الموزانة بين المعطيات الموجودة بين يديها، والمراهنة على عدم رغبة الخصم أو عدم قدرته، على تصعيد الأمور باتجاه الحرب، خشيةً من خسارته بسبب الفرق في موازين القوى.

ظهر النصر الكافي في سياسات عدة، منها:

“جز العشب”: ترسخت عقب حملة “السور الواقي” التي شنها الاحتلال سنة 2002 على الضفة الغربية، وتقوم علىالحملات العسكرية المتلاحقة المتضمنة على اعتقالات واغتيالات للمقاومين ، لتوفير حالة من الهدوء الأمني المؤقت

الاضطرار إلى الدّفاع

ثار جدل داخلي في الأوساط الإسرائيلية حول ضرورة إعادة النظر (مجددًا) في نظرية بن غوريون الأمنية، وذلك عقب التطورات المتلاحقة على أرض الواقع، وخصوصًا بعد انتفاضة الأقصى سنة 2000، وحرب لبنان الثانية سنة 2006. دفعت مجريات حرب 2006 (التي تعرضت “الجبهة الإسرائيلية” الداخلية خلالها لهجوم صاروخي على مدى 33 يومًا)؛ قيادة الاحتلال لتكليف لجنة رسمية برئاسة دان مريدور لإعادة النظر في النظرية الأمنية الإسرائيلية.

عقب البحث في طبيعة التغيرات على المستوى الجيوبوليتيكي أوصت لجنة مريدور بإضافة عنصر رابع إلى الثالوث الأمني الذي وضعه بن غوريون (ردع، حسم، إنذار)، وهو عنصر الدفاع. يهدف عنصر الدفاع إلى تقوية الجبهة الداخلية في مواجهة صواريخ المقاومة، عبر خلق ظروف تزيد من المناعة الوطنية والصمود في وجه هذه الهجمات. أثمرت هذه التوصية عن زيادة اهتمام القيادة الإسرائيلية بتقوية المنظومة الدفاعية وبناء الملاجئ، تمثل ذلك باستحداث منظومة القبة الحديدية لمواجهة صواريخ المقاومة.

ظهر النصر الكافي في سياسات عدة، منها:

“المعركة بين الحروب”: يستند بشكل كبير إلى المعلومات الاستخباراتية، ويعتمد أساسًا إلى سلاح الطيران، ويتضمنتوجيه ضربات استباقية للخصم، بهدف منعه من امتلاك وسائل القوة أو التخطيط لهجمات ضد “إسرائيل”، ولتعزيز حالة الردع

يمتد مفهوم الدفاع عن الجبهة الداخلية (بحسب تقرير مريدور) إلى تناول أحد الأسس التي دعا إليها بن غوريون، وهو “جيش الشعب”، فالتناقضات الداخلية وازدياد حدة الشروخات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية داخل المجتمع الإسرائيلي؛ دفع لجنة مريدور للتوصية بتوسيع مفهوم الخدمة الإلزامية ليشمل المتدينيين اليهود، الذين يُعفون من التجنيد الإجباري، بذريعة تفرغهم لدراسة التوارة، مما يتسبب في تفاوت في الأعباء بين أفراد المجتمع الإسرائيلي، فالعلمانيون ملزمون بالخدمة العسكرية بعكس المتدينيين. من هنا ظهرت الدعوة للمساواة في العبء من خلال فرض الخدمة المدنية على المتدينيين بديلًا عن الخدمة الإلزامية في الجيش، في توسيع لمفهوم جيش الشعب و “المساواة بالعبء”.

يشير رئيس الأركان السابق جادي إيزنكوت في دراسة نشرها سنة 2019، حول المبادئ التوجيهية للأمن القومي الإسرائيلي، إلى ضرورة الاهتمام بالأمن الاجتماعي جنبًا إلى جنب مع الأمن العسكري. يؤكد إيزنكوت على أن توطيد العلاقت بين مكونات المجتمع الإسرائيلي، وتقليص الفجوات بين أفراده، سيساهم في زيادة المناعة الأمنية.

أُضيف “الدفاع” إلى ركائز العقيدة الامنية “الإسرائيلية” بعد حروبها مع المقاومة في لبنان وفلسطين، بهدف تقوية الجبهة الداخلية في مواجهة صواريخ المقاومة، عبر خلق ظروف تزيد من المناعة الوطنية والصمود في وجه هذه الهجمات، وتمتين الأمن الاجتماعي لمواجهة الانشقاقات البينية التي يعدّها خبراء “إسرائيليون” أخطر تحدياتها.

تظهر تصريحات المسؤوليين الإسرائيليين تخوفهم من تأثير حدة الاستقطاب في الشارع الإسرائيلي، الذي انعكس بالدعوة إلى إجراء انتخابات خامسة للكنيست خلال سنتين، مما يؤشر على حالة عدم الاستقرار السياسي داخل المجتمع، والصراع المكتوم بين أفراده. وهذا ما دفع خمسة من رؤوساء الأركان الإسرائيليين -على هامش مقابلة صحفية- للتحذير من خطورة الوضع، فمن وجهة نظرهم فإن الخطر الوجودي الذي يتهدد أمن “إسرائيل” حاليًا هو ضعف الترابط الداخلي.

مصادر

Dan Meridor and Ron Eldadi, Israel’s National Security Doctrine: The Report of the Committee on the Formulation of the National Security Doctrine (Meridor Committee), Ten Years Later, Memorandum No. 187, INSS, 2019, p: 17. https://bit.ly/3Q44jrc

زئيف جابوتنسكي، عن الجدار الحديدي (نحن والعرب)، معهد جابوتنسكي. 4/11/1923. (بالعبرية).  https://bit.ly/3pJz7Te

جادي ايزنكوت وجابي سيبوني، مبادئ توجيهية لاستراتيجية أمن إسرائيل، معهد أبحاث الأمن القومي، مذكرة 196، سبتمبر 2019. (بالعبرية) https://bit.ly/3AfLAmm

يعكوف عميدرور، نظرية الأمن الإسرائيلي، مركز دادو/ موقع الجيش الإسرائيلي، 16/8/2020. (بالعبرية). https://bit.ly/3PE6jGr

مكتب رئيس الأركان، استراتيجية الجيش الإسرائيلي، موقع الجيش الإسرائيلي، إبريل 2018. (بالعبرية). https://bit.ly/3PEAkG2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى