أخر الأخبارالقضية الفلسطينية

مخيم جنين: صمود قابلية المقاومة

عبد الجواد عمر حبر 

للقائد العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز نظرية مميزة عن القدرة والقابلية على المقاومة. لم يكن كلاوزفيتز معجبًا بأشكال الحرب التي تتطلب من الجنود الموت في مواجهة العدو، أي تلك التي تحمل بعدًا تراجيديًا باختيارها للمواجهة على حساب إمكانية الفرار أو التواري. بل كان يفضل بناء علاقة مختلفة مع ثنائية التواري أو المواجهة؛ علاقة لا تضعهما كخيارين يحيل أحدهما لقرار شجاع أصيل وحقيقي وبطولي، والآخر لقرار جبان، متردد وخائف. وضع كلاوزفيتز أسسًا أخرى للحرب، خاصة في حروب الضعفاء والعصابات، يكون الهدف الأسمى فيها للحرب وأعمال المقاومة هو قدرة المقاومة على البقاء وقابليتها للتجدد. من هذا المنظار، يمكن لخيار المواجهة أو التواري أن يجتمعا كمفهوم ديناميكي واحد في حرب العصابات؛ مفهوم يضع نصب عينيه استمرارية المقاومة وقابليتها بالأساس.

منذ ما يقارب العامين، والمقاومة في الضفة الغربية تقاتل على إمكانية صمودها وبقائها. لكن هناك مجموعة من الأسباب وراء قدرة مخيم جنين تحديدًا على البقاء والبناء والتطور. يتمثل أحد أهم هذه الأسباب بالقلق الذي ولّدته ولادة عرين الأسود في نابلس على استخبارات العدو ومستوطنيه، بحكم جغرافية نابلس الملاصقة لتخوم الاستيطان في شمال الضفة الغربية، وبالتالي التهديد الذي تشكله حالة مسلحة في نابلس على الحياة اليومية للمستوطنين. لهذا، كان التركيز والضغط الأساسي في تكتيكات وأساليب مكافحة التمرد على نابلس وريفها. وقد نجحت قوات الاحتلال إلى حد ما في احتواء ظاهرة عرين الأسود بصبغتها الأولى وتوجيه ضربات جعلت العرين يُعاني من الاستنزاف ومن عدم القدرة على بناء قاعدة شبه آمنة يمكن التحرك فيها وتعزيزها بأدوات دفاعية مختلفة.

أما البُعد الآخر، فيرتبط بنوع وشكل العلاقات التنظيمية في مخيم جنين وقدرتها على لجم الخلافات والتي أدت إلى حماية المقاومة من أي تدخل اجتماعي من قبل السلطة الفلسطينية، بما في ذلك إطلاق الشائعات، أو ضرب الثقة بها، أو حتى محاولات إغراء المقاومين أنفسهم. لقد توافرت ظروف اجتماعية وسياسية في مخيم جنين ساهمت في بناء وعي اجتماعي مساند للحالة، ومعادٍ لكل الخطابات السياسية التي تحاول قتلها.

أما البُعد الثالث، فيكمن في نوع التكتيكات التي استخدمها العدو في محاولته احتواء وهزيمة التنظيمات المسلحة. فقد استخدم بشكل أساسي تدخلات سريعة قائمة على توظيف الوحدات الخاصة ومستندة إلى معلومات استخبارية دقيقة، ما عنى أيضًا أن تلك العمليات حدثت في فترات متباينة زمنيًا ولم تحسم بشكل كافٍ وسريع إمكانية استمرار المقاومة. فلم يذهب إلى عملية اعتقال واسعة في نابلس وجنين تحسبًا من التضحية بجنوده، وخوفًا من نقل المواجهة للمجتمع الفلسطيني برمته، وتحسبًا من انتقادات تطاله بسبب القتل البارد الذي سيمارسه. فكانت الوحدات الخاصة حلاً، ولكنه حل بطيء، يتيح أيضًا وفي الوقت نفسه بناء بنية تحتية كاملة للمقاومة في مخيم جنين.

آليات ثقيلة وحركة ثقيلة


بعد احتواء ظاهرة عرين الأسود في نابلس، أصبح مخيم جنين محط تركيز قوات الاحتلال ووحداته المختلفة. وقد حاولت قوات الاحتلال القيام بعدة عمليات في محيط المخيم أو في قلبه. ولكن كانت تُجابَه في كل مرة بأدوات مستجدة: عبوات ناسفة كبيرة الحجم، غطاء ناري من قبل المقاومة، وكمائن متعددة. بالفعل، أصبح المخيم مكانًا عصيًا وصعب المراس من زاوية «حرية حركة» قوات الاحتلال وقدرتها على الوصول إلى أي بقعة في الضفة الغربية.

لهذا، رغم أن ما يروجه العدو من كون العملية محدودة، ألا أنها عملية تتطلب إدخال أكثر من 1000 جندي، وهو بالمناسبة نفس عدد القوة التي دخلت في العام 2002 إلى مخيم جنين. ولكن في خلفية العملية أيضًا صراع سياسي وآخر «شكلاني» يدور في فلك إسكات قادة المستوطنين في الضفة الغربية. بمعنى آخر، هناك ارتباك بين حاجة الاحتلال لإظهار إنجاز ما، خاصة في مضمار استعادة حرية الحركة لقواته في جنين ومخيمها، وبين دعوة قادة المستوطنين لإنهاء حالة المقاومة بجنين بشكل سريع ودون الكثير من «الحسابات» المرتبطة بالقتلى المدنيين أو بأهمية توافر الغطاء الدبلوماسي الأوروبي والامريكي للعملية.

لهذا كان إصرار العدو على محدودية أهداف العملية العسكرية. وهنا ظهر تخبط في مسمى العملية العسكرية، بين رفض لتسميتها وبين اختيار «بيت وحديقة» كمسمى لها، في إشارة للمستوطنة-القلعة في الضفة الغربية وحمايتها. كما أن أهداف العملية ترنحت بين حديث المتحدث باسم الجيش حول استهداف واستنزاف المقاومين أنفسهم، والتأكيد على إعادة بناء الأهداف حول تدمير وتفكيك البنية التحتية للمقاومة.

من جهة أخرى، تقود العملية العسكرية في جنين وحدات خاصة بأشكال مختلفة تتضمن الماچلان والإيچوز والدوڤدوڤان. ما يعني أن الجيش النظامي ما زال خارج إطار الاحتكاك المباشر مع المقاومة.

يحاول الاحتلال الترويج لبعض الجوانب الناجعة في العملية، مشددًا على التنسيق المنسجم مع المعلومات الاستخباراتية، بل تواجد أجهزة المخابرات في قلب الوحدات العسكرية، وتوافر الغطاء الجوي الدائم في عمليات التحرك البري، بل الابتعاد عن أي احتكاك صفري مباشر مع المقاومة. فهكذا نوع من الاحتكاكات يصب في صالح المقاومة، ويجعل من المعركة متكافئة أكثر. بقلب المسألة، يسعى العدو للإبقاء على مسافات آمنة تمكنه من توظيف سلاح الطيران أو أشكال من القوة النارية التي يتفوق فيها على المقاومة. بالفعل، افتتح الاحتلال الحملة بضربات جوية، وقد ارتقى غالبية الشهداء إمّا في الضربات الجوية أو من خلال سلاح القناصة. نحن أمام بنية عسكرية ثقيلة تريد التحرك دون تكبد أضرار في قلب مخيم مكتظ، بل تسعى فوق كل ذلك إلى أن تكون كل مواجهة مع المقاومة مواجهة دون معركة، أي بالحفاظ على المسافات.

ما يمكن قوله حتى الآن هو أن تضخيم إنجازات تفكيك البنى التحتية للمقاومة من قبل الجيش هو دلالة على الوهن في العملية وارتكازها على أساسات أقرب للاستحالة. فالبنية التحتية للمقاومة في مخيم جنين عمودها وقوامها هم المقاومون أنفسهم وإرادتهم الحية. وكل ما يتحدث عنه الاحتلال من مختبرات أو أنفاق أو غيرها من الأدوات المستخدمة من قبل المقاومين، هي فقط محاولة لإظهار إنجازات ضئيلة نسبيًا في ظل ابتعاده عن الاحتكاك بالمقاومين. فهنا نحن لا نتحدث عن بنية نظامية عسكرية للمقاومة تتشتت بمجرد استهداف أربعة أو خمسة أهداف أو تدمير بعض المتفجرات أو تدمير نفق أو نفقين.

لكن خطورة العملية تكمن فيما يأتي بعدها، بمعنى هل تساهم هذه العملية في عودة العمليات الخاصة في قلب المخيم، وبالتالي تمنح العدو حرية حركة افتقدها بالأشهر الأخيرة، وتساهم في إعادة توظيف أنماط القتل والاحتواء البطيء كما في حالة عرين الأسود؟ أم أن العملية لن تشكل هذا الفارق فيما يأتي بعدها؟ وهل المعطيات التي خرجت من المعركة الحالية تساعد في تصميم عمليات جديدة مبنية على الخبرة التي اكتسبها العدو؟

صمود قابلية المقاومة


يبدو أن المقاومة في جنين أيضًا استفادت من أبعاد المخيم المختلفة – البيوت وتحت الأرض وفوقها– ومن إمكانيات الكر والفر. فهي لم تتلقَ ضربات كبرى من خلال الاحتكاك المباشر مع قوات الاحتلال، بل كانت قادرة على افتعال عدة اشتباكات والخروج منها دون ضرر.

كما أنها في حالة لا تنم عن «هلع» أو خوف أو حتى تردد، بل في حالة تعلم فيها كيف تتجنب القتال حين لا يكون في صالحها، كما تعلم متى تحيك عناصر القتال بطريقة تخدم حماية بقاءها، وتؤخر من الحملة العسكرية وأهدافها.

وهنا لب القصة في المخيم، أنه لا يذهب نحو «المعركة الأخيرة» وإن كان جاهزًا لتقديم كل شيء في سبيل المقاومة. بمعنى أن المقاومة تتعامل بمرونة قتالية تنم عن نضج قتالي، موظفة القدرة على الظهور والاختفاء، ومن ثم الاختفاء والظهور بعلاقة دينامية تخيف العدو وتجعله قلقًا من كمائن يذهب ضحيتها العديد من الجنود. أهمية الاشتباكات التي حصلت أنها وضعت العدو في حالة تشنج وأثقلت من حركته. ولكنها بالوقت نفسه كانت اشتباكات سريعة وخاطفة، صممت لحماية المقاوم.

بتعبير آخر، نحن أمام استراتيجية دفاعية توظف عناصر متعددة، وتمتلك مرونة هائلة تهدف بالأساس للحفاظ على ما أطلق عليه كلاوزفيتز قابلية المقاومة نفسها. وفي هذا انتصار كافٍ للمقاومة حتى لو لم تقتل جنديًا واحدًا. بمعنى أنه انتصار قائم على فشل العدو في حصد أرواح المقاومين أو اعتقالهم، وانتصار يعقّد العمليات العسكرية في محيط المخيم في المستقبل القريب ولا يسلبها الكثير من قدراتها.

هناك الكثير من النقد لأداء حركات المقاومة على وسائل التواصل الاجتماعي وعزوف تلك الحركات حتى الآن عن دخول معركة جنين. غالبية تلك التعليقات أتت من «هلع» وخوف من قدرة الاحتلال على القضاء على المقاومة في جنين. ولكن ما هو واضح أن العدو يأخذ على محمل الجد إمكانية دخول غزة أو لبنان مضمار المعركة في حال اشتدادها. بل يضع ذلك في تصميم عملياته الحالي كأحد الاحتمالات الممكنة. ما يهمنا هناك أن وحدة الساحات تدخل في «عمليات الحسابات نفسها»، بمعنى أنها أصبحت ترافق كل تصميم لعملية عسكرية، بل ترافق أيضًا شكل ونوع تدحرجها.

رغم ذلك، هناك أيضًا توافق على أن قطاع غزة عانى في الجولات الماضية، وبالتالي سيحاول تجنب الدخول على خط المعركة. يبدو أن المخيم لا يحتاج حتى الآن لهذا النمط من الإسناد، فيكفيه أن يكون هناك تهديد ضمني بإمكانية الدخول على خط المعركة.

لا نعرف ما تخبئ الأيام القادمة وكيف ستتطور الحالة العسكرية في جنين، وهل ستبقى في هذه الحالة بين قوتين تتجنبان الدخول في اشتباكات مباشرة، أم أنها ستشتد. ولكن ما وفرته الأيام الماضية هو لمحة على نهضة المقاومة التي حققها مخيم جنين. صمود هذه القوة وصمود قابلية المقاومة سيقلق الكثيرين، خاصة القوى المعادية لها. فها هو مخيم ضيق المساحة، بأدوات محدودة، ودون الكثير من عوامل الإسناد يجعل جيشًا كاملًا يتحرك كالسلحفاة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى