هيئة التحرير

صفقة القرن قراءة في فرص تطبيقها وانعكاساتها المحتملة

الديوان | هيئة التحرير

 

مقدمة:

ثلاث سنوات مرت على أولى الإشارات لما يعرف بصفقة القرن؛ عندما سماها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بهذا الاسم في لقاء جمعه بترامب في واشنطن في نيسان/ أبريل 2017؛ ثم عاد بعدها بخمسة أشهر ليتحدث عنها الرئيس محمود عباس مستخدماً المصطلح نفسه في لقاء جمعه بترامب في أيلول/ سبتمبر 2017. وفي لقاء احتفالي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن صفقته بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي، حيث جاءت في معظمها موافقة للتوقعات.

خلال الفترة الماضية ترك ترامب وإدارته الشائعات والتسريبات تأخذ مساحة واسعة في الإعلام، وتعمدوا التأجيل الرسمي عن محتواها حوالي عشر مرات. في الوقت نفسه، عملت الإدارة الأمريكية على تحصيل الموافقات العربية عليها مسبقاً، ومارست الضغوط لتجهيز بيئات أنسب لقبولها أو لتمريرها. واستغلت هالة “الغموض” والإشاعات التي رافقتها لتعميق الشعور بأن الصفقة “قادمة” وأن لا مجال لمقاومتها. وربما حققت الإدارة الأمريكية بعض ما أرادت، وفشلت في جوانب أخرى وخصوصاً على المستوى الشعبي؛ لكنها في النهاية وجدت أنه لا بدّ من إطلاقها في أجواء يواجه فيها كل من ترامب ونتنياهو استحقاقين انتخابيين، كما يواجهان اتهامات بالفساد وسوء استغلال السلطة قد تؤدي لخسارتهما لموقعيهما.

أولاً: مضامين الصفقة:

جاءت الوثيقة في نحو 180 صفحة، يمكن تلخيصها فيما يلي:

  1.  الدولة الفلسطينية المقترحة: وتتسم بما يلي:
  • دولة منزوعة السلاح تماماً في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وتلتزم بمنع أي تنظيم مسلح من التواجد فيها، مع اشتراط أن يحكم غزة قوى غير حماس والجهاد الإسلامي والتنظيمات الأخرى المسلحة.
  • تكون عاصمة الدولة في الضواحي المجاورة للقدس الشرقية، مع الإشارة إلى أن الولايات المتحدة ستقيم سفارة لها في هذه الضواحي، بينما تكون القدس كلها بتوصيفها الإسرائيلي مدينة موحدة وعاصمة لـ”إسرائيل”.
  • يتم استقطاع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وضمها لـ”إسرائيل”.
  • لا عودة لحدود 1967، وإبقاء حدود الدولة الفلسطينية غير مرسمة لمدة أربع سنوات، يتم خلالها تحقيق تواصل جغرافي بين أراضيالدولة الفلسطينية وتجميد الاستيطان شريطة الالتزام بما يلي:
  • أن لا تشكل هذه الدولة الفلسطينية بأي شكل من الأشكال خطراً على الأمن الإسرائيلي مع ترك تحديد مفهوم خطر أمني للطرف الإسرائيلي.
  • التخلي عن السلاح؛ وهو ما تنطوي عليه عبارة ترامب “الرفض الصريح للإرهاب من قبل الدولة الفلسطينية”.
  • مقاومة إيران ومحاصرة نشاطاتها.
  • أن تكون قوانين السلطة الفلسطينية موجهة لتقييد النشاط “الإرهابي” مع حقّ “إسرائيل” في تدمير أي منشآت فلسطينية تراها خطراً عليها.
  • خلال المفاوضات لا يجوز للسلطة الانضمام لأي منظمة دولية دون موافقة “إسرائيل”.
  • الإقرار بـ”يهودية الدولة الإسرائيلية”.
  • لن تخلع “إسرائيل” أي مستوطنة، ويتم ربط المستوطنات الإسرائيلية التي تقع داخل مناطق السلطة الفلسطينية بشبكات نقل، أما الفلسطينيون الذين يقعون في مناطق “إسرائيلية” فيسمح لهم بالتنقل نحو أراضي السلطة الفلسطينية.
  • يخضع نهر الأردن للسيادة الإسرائيلية، مع تعويض المزارعين الفلسطينيين أو الترخيص لهم في هذه المنطقة.
  • المياه الإقليمية لغزة تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية.
  • دمج سكان قرى المثلث الفلسطيني (كفر قرع، وعرعره، وياقة الغربية، وأم الفحم…إلخ) مع السلطة الفلسطينية، ومقايضة الفلسطينيين بحيث يتم ضمّ مناطق للسلطة الفلسطينية تعويضاً عما سيقتطع منها.
  • تبقى المعابر للدولة الفلسطينية خاضعة لرقابة السلطة الإسرائيلية، كما أن الولايات المتحدة مستعدة للاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على أراضٍ محتلة (غور الأردن، والكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية، وهو التفسير الذي أشار له نتنياهو في المؤتمر نفسه).
  1.  اللاجئون:

تم ربط موضوع اللاجئين الفلسطينيين باللاجئين اليهود من الدول العربية، والإشارة لحق “إسرائيل” في التعويض عن ممتلكات المهاجرين اليهود وما تحملته “إسرائيل” من نفقات استيعاب هؤلاء المهاجرين اليهود. أما الحل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين فهي:

  • بعضهم تستوعبه الدولة الفلسطينية.
  • وبعضهم يتم دمجه في الدول التي يقيمون فيها.
  • والجزء المتبقي منهم يتم توطينه في دول إسلامية من دول منظمة المؤتمر الإسلامي.
  • توسيع قطاع غزة بما يساعد في تحسين ظروفهم من خلال مناطق مجاورة في النقب، ويتم وضع مرافق ومشاريع صناعية لاستيعاب جزء من الضغط السكاني في غزة.

 

  1.  التكامل الاقتصادي الإقليمي:

عنوان القسم الثالث من الوثيقة هو “رؤية للسلام بين دولة إسرائيل والفلسطينيين والإقليم”، ويتم ذلك من خلال:

  • تعزيز مسار التطبيع بين الدول العربية و”إسرائيل”، والتشارك في علاقات مع أوروبا.
  • ربط الضفة وغزة بخطوط نقل سريعة تكون خاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
  • السماح للفلسطينيين باستخدام الموانئ الإسرائيلية في حيفا وأسدود.
  • تسهيل العبور بين الأردن وفلسطين مع حقّ “إسرائيل” في الرقابة على السلع المنقولة.
  • إنشاء منطقة تجارة حرة بين الأردن وفلسطين.
  • ضرورة التعاون العربي الإسرائيلي لمواجهة حماس وحزب الله.
  • الوعد بوضع الولايات المتحدة نهاية لاعتماد الفلسطينيين على المؤسسات الخيرية والمعونة الأجنبية.

 

  1.  المعتقلون:

الإفراج عن السجناء ما لم يكونوا ممن اقترف “جرائم قتل أو شروع بالقتل”، أي أن عناصر المقاومة لن يتم الإفراج عنهم.

 

ثانياً: أركان وركائز الصفقة:

من خلال القراءة المتأنية لمشروع الصفقة نلاحظ أنه يستند على:

1. حكم ذاتي “بانتوستانات” للفلسطينيين (تسمى دولة) تحت السيادة الإسرائيلية.

2. شطب كل قضايا المفاوضات النهائية لصالح الطرف الإسرائيلي (القدس، المستوطنات، اللاجئين، السيادة على الأرض والتحكم بالحدود، نزع السلاح الفلسطيني…).

3. التركيز على ما يسمى “السلام الاقتصادي”.

4. التركيز على التطبيع مع البلدان العربية، وإيجاد بيئة عربية موافقة على الصفقة لمحاصرة الفلسطينيين وتطويعهم وتجاوزهم.

5. حرف بوصلة الصراع: من خلال إنشاء تحالف إقليمي عربي إسرائيلي ضد إيران وضد خط المقاومة، وتحديداً حماس وحزب الله، وضد تيار الإسلام السياسي في المنطقة.

ثالثاً: أبرز الدلالات:

نلاحظ أن أبرز دلالات الصفقة هي ما يلي:

1. أن مشروع ما يسمى “صفقة القرن” اتخذ مدلولاً تسويقياً ترويجياً، بالرغم من غياب الطرف الفلسطيني، وبالتالي عدم وجود الطرف الثاني المعني بعقد الصفقة؛ أي أن مصطلح صفقة فاقد لمضمونه.

2. انتقال الطرف الأمريكي من الانحياز الكبير للطرف الإسرائيلي، إلى الشراكة والتماهي شبه الكامل مع الطرح اليميني الليكودي لرؤيته لتسوية القضية الفلسطينية، وتبني الرواية الإسرائيلية للصراع.

3. إلغاء مرجعيات “الشرعية الدولية” وقرارات الأمم المتحدة فيما يتعلق بمستقبل القضية.

4. إنهاء اتفاق أوسلو، ومرحلة أوسلو، وإلغاء مسار التسوية السلمية الذي ظلَّ نحو 26 عاماً مستنداً إليها؛ وبالتالي إسقاط فكرة حلّ الدولتين.

5. بناء “الصفقة” على أساس التعامل مع الحقائق على الأرض، وليس على أساس الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

6. التعامل باحتقار واستخفاف مع حقوق الشعب الفلسطيني، ومع الأبعاد العربية والإسلامية والإنسانية لقضية فلسطين، ومع الهوية الدينية والحضارية والثقافية لفلسطين.

 

رابعاً: سلوك قيادة والسلطة:

يقرأ سلوك الرئيس محمود عباس وقيادة السلطة في سياقين:

الأول الإيجابي:

  1. أعلن الرئيس عباس ومعه قيادات السلطة بشكل لا لبس فيه رفضهم للصفقة، مع الإصرار على إنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة، على الضفة الغربية (بما فيها شرقي القدس) وقطاع غزة.
  2. رفض عباس للضغوط العربية وخصوصاً الخليجية بشأن الموافقة على الصفقة.
  3. قيام عباس بجولات عربية وإسلامية ودولية للتحشيد في مواجهة الصفقة.
  4.  اتخاذ فتح والمجلس الوطني والمجلس المركزي الفلسطيني قرارات ضدّ الصفقة.

الثاني السلبي:

  1. لم يقم الرئيس عباس بأي إجراء حقيقي لتعزيز الجبهة الداخلية وتوحيد الصف الوطني، بالرغم من خطورة الوضع، وبالرغم من أنه يملك مفاتيح المؤسسات الرسمية بيده.
  2. تابعت السلطة تنفيذ سياسة أدَّت لتعطيل إنفاذ المصالحة الفلسطينية، بما في ذلك الإصرار على استمرار العقوبات على قطاع غزة، ولم يتم تجاوز أي من العقبات التي كانت تقف في وجه إعادة اللحمة.
  3. الاستمرار في سياسة الهيمنة والتفرد بقيادة المنظمة وصناعة القرار الفلسطيني؛ وعقدت المجالس المركزية بطريقة أدت في النهاية لمقاطعة معظم الفصائل الفلسطينية الوازنة في منظمة التحرير، بالإضافة إلى غياب حماس والجهاد والمبادرة. هذا فضلاً عن عقد المجلس الوطني تحت الاحتلال، بخلاف التوافق الفلسطيني الذي حدث في بيروت في كانون الثاني/ يناير 2017.
  4. استمرار التنسيق الأمني مع الاحتلال، بالرغم من قرارات المجلسَين المركزي والوطني، وحالة الإجماع الشعبي بإيقافه. وعدم السماح للحالة الشعبية في الضفة الغربية بالتعبير عن نفسها، ولا عن غضبها القوي تجاه صفقة ترامب.
  5. الإعلان عن الاستمرار بمسار التسوية السلمية، وعرض دولة منزوعة السلاح.
  6. عدم دعوة الإطار القيادي الموحد للاجتماع، بالرغم من أنه الإطار الوحيد الحالي القادر على تنسيق العمل الوطني.

يمكن تفسير سلوك السلطة في أحد الاتجاهات التالية:

  1. الاعتراض على الصفقة والإحباط من الثمن المعروض على الفلسطينيين، مع عدم الرغبة بالانتقال إلى مربع المقاومة، أو الوحدة الوطنية الحقيقية؛ لعدم الاستعداد لدفع أثمان واستحقاقات مغادرة مسار التسوية، بما قد يؤدي إلى إغضاب الطرفين الإسرائيلي والأمريكي وعدد من الأطراف العربية، وسقوط السلطة، وخسارة الامتيازات والمطاردة والاعتقال. وفي الوقت نفسه الخشية من هيمنة ونفوذ حماس في صناعة القرار الفلسطيني فيما لو دخلت في شراكة حقيقية.
  2. الموافقة الأولية على الصفقة، مع السعي لامتصاص الأجواء المعارضة لها، وركوب الموجة، باتجاه تحسين بعض شروط وعروض الصفقة.
  3. 3. التردد بين اتجاهين:

الأول: الرفض المطلق للصفقة وإعلان إنهاء اتفاق أوسلو، وبالتالي إعادة تعريف السلطة باعتبارها “دولة فلسطين تحت الاحتلال” ومتابعة النضال “السلمي” لتحصيل الحقوق، حتى لو أدى ذلك لانهيار السلطة.

والثاني: الدخول في وحدة وطنية حقيقية تبعث الروح في المشروع الوطني الفلسطيني.

خامساً: السلوك العربي:

تظهر المؤشرات أن الاتجاه العام لدول محور “الاعتدال” يتنازع ما بين عدم الارتياح للسلوك الأمريكي، والمدى الذي وصله في الضغط لفرض الرؤية الصهيونية لإغلاق الملف الفلسطيني، وبالتالي البقاء رسمياً في مربع تبني “المبادرة العربية” لسنة 2002؛ وما بين عدم الرغبة في إغضاب الولايات المتحدة، خصوصاً في ضوء حاجة الأنظمة الماسة للدعم وللغطاء الأمريكي في مواجهة شعوبها، وفي مواجهة خصومها في المنطقة، ولاستمرار تدفق المساعدات الغربية عليها. وبالتالي فقد سلكت هذه الأنظمة سياسة إبقاء الباب نصف مفتوح ونصف مغلق. بمعنى أن هذه الأنظمة قابلة لمزيد من الضغوط بعد أن قامت ببعض الإجراءات غير المكتملة، كما أنها قابلة لرفع السقف مع تراجع الضغط الأمريكي ومع تصاعد المقاومة الفلسطينية، وإذا ما وجدت تصعيداً جاداً من شعوبها.

يظهر هذا السلوك خصوصاً في الدول الرئيسة الثلاث: مصر والسعودية والأردن. وهناك دول ذات وزن أقل، وتظهر سلوكاً أكثر خِفَّة واستعجالاً كالإمارات والبحرين، وكذلك عُمان وإن بشكل أكبر تحفظاً من سابقتيها. كما دخلت السودان مؤخراً على الخط بلقاء رئيس مجلسها السيادي مع نتنياهو لأغراض مرتبطة بخروج السودان من أزمتها.

الموقف الرسمي المصري يرفض صفقة ترامب، ويؤكد على المبادرة العربية، لكنه عندما تمّ إعلانها استخدم لغة سياسية إيجابية تدعو إلى “الدراسة المتأنية” للصفقة، وإلى استمرار مسار التسوية والمفاوضات برعاية أمريكية، بما يعكس الموقف “الموارِب” المشار إليه أعلاه. وفي المقابل تَتهّم أوساطُ المعارضة المصرية النظامَ بأنه قام بتهيئة ظروف معينة لتمرير الصفقة، من خلال إجراءاته في سيناء، ومن خلال تفريغ المنطقة بين رفح والعريش، وتوفير خدمات لوجستية لدور مستقبلي للعريش كمطار وميناء.

الموقف السعودي ظهر في البداية أكثر تحمساً للصفقة خصوصاً في أوائل 2018، ومارس محمد بن سلمان بعض الضغوط على الطرف الفلسطيني لقبولها؛ غير أن الملك سلمان عاد لضبط المسار الرسمي للمملكة. وما بين حاجة المملكة للدعم الأمريكي لاستقرارها السياسي، ولتوريث بن سلمان، وتجاوز قضية خاشقجي، ولتسليحها، ولمواجهة إيران، في مقابل حاجتها للمحافظة على مكانتها العربية والإسلامية، وعدم حشرها في زاوية التخلي عن القدس والأقصى، وعدم زيادة الاحتقان الداخلي باتهامها بالتطبيع و”التواطؤ” لتصفية قضية فلسطين…؛ فإن السعودية ستبقي الباب “موارباً” بانتظار احتساب خطواتها التالية. وفي هذا السياق تتأرجح لديها مؤشرات التطبيع وضرب البنية التحتية لحماس في السعودية، في مقابل الاستمرار على موقفها الرسمي المتبني للمبادرة العربية.

أما الموقف الأردني فيتأرجح أيضاً بين طبيعة النظام المتحالف مع أمريكا والمحتاج حاجة ماسة لدعمها المالي، الذي يبلغ ملياراً و275 مليون دولار سنوياً وعلى مدى خمس سنوات (وفق مذكرة التفاهم الموقعة في 14/2/2018)، والذي أضيف إليه 300 مليون دولار عام 2019؛ وبين انزعاج النظام الشديد ومخاوفه من توطين اللاجئين في الأردن، واعتبار الأردن “دولة الفلسطينيين”، ونزع ولاية الأردن الدينية على المقدسات في القدس. ولذلك، فبقدر ما كان النظام يظهر غضبه من السلوك الإسرائيلي “المتطرف”، وتأكيده على المبادرة العربية، بقدر ما تحدث الملك عن ضرورة النظر إلى نصف الكأس المليء عند التعامل مع صفقة ترامب.

 

سادساً: السلوك الدولي:

يظهر الخط العام الدولي مؤيداً لحل الدولتين، ولمسار التسوية السلمية على أساس “الشرعية” الدولية وقرارات الأمم المتحدة. ولم تتمكن الولايات المتحدة على مدى السنتين الماضيتين من تحقيق نتائج مهمة باتجاه تغيير حقيقي في مواقف الدول “الوازنة” مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي. وتُعوّل أمريكا على فرض الأمر الواقع، وعلى تحول تدريجي ولو بطيء في السلوك الدولي لصالح الكيان الإسرائيلي. وفي هذا الصدد تظهر مؤشرات “إيجابية” بالنسبة للأمريكان من بريطانيا خصوصاً بعد فوز حزب المحافظين في الانتخابات؛ كما أن اللغة السياسية التي استخدمها الألمان والفرنسيون لم تكن حاسمة باتجاه الصفقة؛ وتفتح “كُوَّة” نحو تحرك هادئ باتجاهها. ومن جهة أخرى، تبدو الهند مندفعة أكثر من أي وقت مضى (تحت حكم بهارتيا جاناتا) نحو علاقة أكثر قوة مع الجانب الإسرائيلي؛ وإن لم تصل بعد لدرجة الدعم المباشر لصفقة ترامب.

سابعاُ: السيناريوهات المحتملة:

  1. إفشال الصفقة: نتيجة رفض فلسطيني قوي، مدعوم ببيئة عربية وإسلامية ودولية معترضة أو متشككة، وغير راضية على سياسة الإملاءات وفرض الأمر الواقع. مع وجود اعتراضات من أطراف إسرائيلية أكثر تطرفاً.
  2. التمرير الجزئي للصفقة: عن طريق فرض عدد من التصورات بالأمر الواقع وبالقرارات الفوقية، مع تدرج المجتمع الدولي في التكيف معها، ومع تكيف جزئي عربي ومن قيادة السلطة مع عدد من متطلباتها.
  3. نجاح الصفقة: بخضوع أو موافقة قيادة منظمة التحرير والسلطة، بعد بعض التحسينات الشكلية؛ وتولي القيادة في السلطة من شخصيات أمنية مستعدة لتقديم الأثمان. وبوجود بيئة عربية ضاغطة للموافقة.

ووفق المعطيات المتوفرة يظل سيناريو فشل الصفقة هو المرجح، خصوصاً إذا استمرت صلابة الموقف الفلسطيني.

الخلاصة:

  1. تعد هذه المرحلة من أخطر المراحل التي تمر بها قضية فلسطين، خصوصاً أنها تشهد محاولة تصفية القضية، بعد استنفاذ مسار التسوية السلمية، وسقوط خيار الدولتين.
  2. إن المقاومة الفلسطينية مستهدفة في هذه الخطة بالضرب والتطويع، باعتبارها أبرز عقبة في مواجهة الصفقة. ولذلك، فليس من المستبعد أن يزداد الضغط عليها بأشكال مختلفة في الفترة القادمة، وخصوصاً إسقاطها ونزع أسلحتها في القطاع.
  3.  إن فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية القادمة (وهو أمر غير مستبعد) ، يحمل مخاطر استمرار الضغوط باتجاه إنفاذ الصفقة، وفرض قرارات وسياسات الأمر الواقع بحسم باقي قضايا “الحل النهائي”.
  4.  هناك رفض من قيادة السلطة والمنظمة للصفقة، غير أن عدداً من قياداتها “لا يقف على أرض صلبة”؛ وقد يكون قابلاً للضغط باتجاه الاستجابة ولو لبعض استحقاقات الصفقة.
  5. أن البيئة الاستراتيجية العربية اتخذت سلوكاً “موارباً”؛ وهو ما يعني أن هناك ثمة مخاطر في أن تكون قابلة للاستجابة للضغوط، ضمن مجموعة الحسابات والاعتبارات التي سبقت الإشارة إليها.
  6.  إن البيئة الدولية ما زالت تدعم خيار حلّ الدولتين، بالاستناد إلى “الشرعية الدولية”. غير أنها قابلة للتحول التدريجي، إذا ما وجدت استجابات إيجابية عربية ولو جزئية، وإذا ما تابع الأمريكان ضغوطهم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق